يعد فن الغناء الأوبرالي من الفنون الغنائية الجديدة نسبياً على "سورية"، إذ لا يتعدى عمر هذا الفن في "المعهد العالي للموسيقا" العشرين عاماً فقط، ولكن على الرغم من هذا فإن سورية استطاعت أن تصل إلى دور "الأوبرا" العريقة وتسجل اسمها في أكبر عروض "الأوبرا" في العالم.
فالبداية كانت مع السيدة "آراكس شيكيجيان" التي استطاعت أن تحفر اسمها كأول "مغنية أوبرا" سورية على الإطلاق في عام /1982/، وعلى الرغم من أن السيدة "آراكس" تعتبر أحد الأصوات المعروفة عالمياً منذ ذلك الوقت؛ إلا أن هذا الفن بقي غريباً على سورية مدة تتجاوز عشر سنوات بعد عودتها إليها؛ واقتصر أداؤها على "حفلات غناء أوبرالية" متفرقة كانت تقوم بها "شيكيجيان" في سورية وخصوصاً في مدينة "حلب"- مدينتها-، وبعض المشاركات العالمية التي استطاعت فيها "شيكيجيان" أن تضع اسم بلدها سورية في مقدمة "الغناء الأوبرالي"، وكانت السيدة "آراكس" تعتبر في هذه المرحلة؛ المرجع "الأوبرالي" الوحيد في سورية وبعض الدول المجاورة.
بدأت أتعلم "فن الغناء الأوبرالي" وأمرّن صوتي منذ أن كنت في السادسة عشرة، بفضل الأستاذة "آراكس" التي عرفتني على هذا النوع من الغناء وعلقتني به قبل دخولي إلى المعهد العالي للموسيقا في "دمشق"
موقع "eSyria" التقى السيدة "آراكس شيكيجيان" مغنية "الأوبرا" العالمية وخبيرة الغناء في "دار الأسد للثقافة والفنون"، والتي حدثتنا عن تاريخ دخول "فن الغناء الأوبرالي" إلى "سورية"، حيث بدأت بقولها: «لعل الخطوة المهمة التي ساعدت على الولادة الفعلية "لفن الأوبرا" في "سورية"؛ كانت افتتاح قسم خاص لهذا النوع الموسيقي في "المعهد العالي للموسيقا" في تسعينيات القرن الماضي، وهذه الخطوة تسجل باسم "الموسيقار صلحي الوادي"، الذي ساهم في ردم الهوة المعرفية التي كانت تفصل المغنين السوريين عن "فن الغناء الأوبرالي"، كما شهدت هذه المرحلة ظهور أسماء قليلة ولكنها لامعة على المستوى العالمي مثل "تالار ديكرمنجيان" و"رازق بيطار"، و"لبانة قنطار" وغيرهم ممن عرفوا على الخشبات العالمية أكثر من بلدهم الأم».
المغنية الحلبية "تالار ديكرمنجيان" والتي نسبت نجاحها إلى السيدة "آراكس" تقول عنها لموقع "eSyria": «بدأت أتعلم "فن الغناء الأوبرالي" وأمرّن صوتي منذ أن كنت في السادسة عشرة، بفضل الأستاذة "آراكس" التي عرفتني على هذا النوع من الغناء وعلقتني به قبل دخولي إلى المعهد العالي للموسيقا في "دمشق"»، أما السيدة "آراكس" فتشرح سبب نجاح هذه الأسماء بقولها: «إن "الغناء الأوبرالي" لا يمكن تعلمه في عام أو اثنين فقط، أو اعتباره مادة تحتاج إلى الحفظ أو الدراسة النظرية؛ لكنه فن يحتاج إلى مغن ومدرسة؛ بمعنى أننا نحتاج إلى مغن يمتلك خامة صوتية قوية ومميزة، ومن ثم يحتاج هذا الشخص إلى مدرسة أو مدرس مختص يعطيه ويدربه على تقنيات وحركات وأصوات خاصة بالغناء الأوبرالي؛ فمن الأخطاء الشائعة أن يعتبر الشخص نفسه قادراً على "الغناء الأوبرالي" بمجرد امتلاكه صوتاً رخيماً أو قدرة على تقليد إحدى "المقطوعات الغنائية الأوبرالية" أو ما تسمى "آريا" «Aria».
إن هذا الفن- في الحقيقة- يحتاج إلى فترة طويلة من التدريب تصل إلى خمس سنوات كحد أدنى؛ حيث يدرب المغني عضلات بطنه على إصدار الصوت لأن الأصوات الأوبرالية تخرج من البطن وليس من الحنجرة الصوتية كما يعتقد البعض.
لذا فإن معظم مغني "الأوبرا" السوريين الذين تخرجوا في "المعهد العالي للموسيقا" كانوا يتدربون بشكل مستمر ولفترات طويلة بإشرافي؛ حيث كنت أدربهم على التقنيات الضرورية والأساسية الخاصة بهذا الفن».
إن التجارب الفردية الناجحة والحضور السوري المميز الذي مثلته المغنية "تالار" وزملاؤها في المناسبات العالمية، أسس لبداية مرحلة جديدة "للفن الأوبرالي" في "سورية"، فهذا الفن لا يقتصر على "المقطوعات الغنائية" "آريات" بل "الأوبرا" مسرحية غنائية متكاملة؛ تستخدم التمثيل والغناء وتستعين بفرق عزف سمفونية، بالإضافة إلى نص مسرحي مؤلف بطريقة "أوبرالية"، موقع "eSyria" التقى مع المغني "شادي علي" خريج المعهد العالي للموسيقا، والذي حدثنا عن المرحلة التي يعيشها "فن الأوبرا" في "سورية" بقوله:
«لابد من الإشارة إلى أن هذا الفن يسير بشكل متسارع ليأخذ مكانه الطبيعي بين الفنون الغنائية الأخرى في "سورية"؛ وخاصة بعد افتتاح "دار الأسد للثقافة والفنون" والتي تشعر من القائمين عليها برغبة واضحة في تطوير هذا الفن نحو أعلى المستويات، فعلى سبيل المثال كان جميع "مغني الأوبرا السوريين" منذ عشرين عاماً يضطرون للسفر إلى مدينة "حلب" للتدرب على يد السيدة "آراكس"؛ لأنها الوحيدة في "سورية" القادرة على إنتاج "مغني أوبرا عالميين"، ومنذ عام /2009/ عينت السيدة "آراكس" في "دار الأسد" كخبيرة غناء، ما أعطى دفعة كبيرة لتقدم هذا الفن، وهي الآن قائمة على رأس مشروع مهم هو "مشروع إطلاق مغني الأوبرا السوريين"، الذي يتم برعاية "دار الاسد للثقافة والفنون"».
ثلاثة من أبرز المغنين السوريين شاركوا في التحضير لإطلاق هذا المشروع الذي أدارته السيدة "آراكس شيكيجيان"؛ والمغنين هم: "لينا شماميان"، "شادي علي"، "لونا محمد"، وقد بدأ هذا المشروع في عام /2009/، وبمدة تصل إلى خمس سنوات، وبدأت هذه الأسماء الثلاثة بإقامة "أمسية غناء أوبرالي" بتاريخ 1/7/2010، غنوا خلالها /12/ مقطوعة أوبرالية عالمية «آريا»، وأهدوا الجمهور مقطوعتين أديتا على طريقة "دويتو" فيما بينهما، عن هذه الأمسية تقول "شيكيجيان":
«كما ذكرت سابقاً فإن "مغني الأوبرا" أثناء تحضيره يحتاج إلى سنوات طويلة يغني خلالها مقطوعات متعددة، ليكتسب بها الخبرة اللازمة، لذا فإن هذا المشروع سيقيم عدة أمسيات، بدأت بهذه الأمسية وستتبع بأمسيات لاحقة وقد تكون بأصوات جديدة، لنصل إلى عدد أكبر من المغنين الجاهزين والقادرين والمدربين على أداء "مسرحية أوبرالية" متكاملة، يكون فيها كل من الشقين التمثيلي والغنائي».
موقع "eSyria" حضر هذه الأمسية والتقى السيد "محمد رمضان"، الذي شرح لنا سبب تواجده بقوله: «أولاً أنا من هواة الاستماع والعزف الموسيقي، ولدي اهتمام دائم بالتواجد في المناسبات الفنية المختلفة التي تقام في "دمشق"، وخصوصاً إن كانت تقام في "دار الأسد"، حيث إنها في الغالب تكون على مستوى فني عال، أما بالنسبة لمشروع "الأوبرا" السورية، فاعتقد أن الوقت قد حان لنشاهد أعمال "أوبرالية" سورية متكاملة؛ كالتي تجري في "مصر" أو "ايطاليا"، والدليل كان هذه الأصوات التي سمعناها اليوم، كما أننا نسمع ونقرأ دائماً عن الأصوات السورية تشارك في مسرحيات "أوبرالية" عالمية بشكل دائم».
الجدير بالذكر أن "مشروع مغني الأوبرا السوريين" يمتد على خمس سنوات، وهو بإدارة خبيرة الغناء "آراكس شيكيجيان"، وبدأ بمشاركة لثلاثة من "خريجي المعهد العالي للموسيقا"، في اختصاص غناء "الأوبرا"، وللمغنين الثلاثة مشاركات "اوبرالية" متعددة، وهم: المغني "شادي علي"، والمغنية "لينا شماميان"، والمغنية "لونا محمد"، وقد بدأ المشروع أولى أمسياته بأمسية غناء صيفية غنى فيها النجوم الثلاثة /12/ "مقطوعة غنائية" «آريا» مقتطفة من أشهر مسرحيات "الأوبرا" العالمية، مثل "مقطوعة فيكرو" «Figaros Aria» التي غناها "شادي علي"؛ ورافقهم في هذه الأمسية عازف البيانو "فادي جبيلي".