الفراشات هائمة في أقاصي الكلام.. وإذ تتعثر بروحه يستفيق البنفسج، ويراوده البياض عن أصابعه.. يهذي بالمطر، ويسكن ظل امرأة لا تنام.. إنه الكاتب الشاب "فراس محمد" الذي التقاه eHasakeh بتاريخ 2/11/2009
وكان هذا الحوار:
** كما أننا لا نعرف متى يبدأ الحب..كذلك لا نعرف كيف تبدأ القصيدة.. ليس ثمة بدايات، في "الحسكة" حيث نرغم أن نكون كباراً منذ ولادتنا، تنتفي الحدود، كانت حياتنا أشبه ببيوت الطين التي كانت تتزاحم لتشكل جغرافية من البؤس الممتد إلى تخوم الأبد، لم يكن ما يميز أجسادنا الصغيرة عن تلك البيوت في الشتاءات، إذ كان الوحل يغمر أحذيتنا في الطريق إلى المدرسة، وكان المطر يبلل الدفاتر والكتب في الحقائب القماشية التي كنا نرميها وراء ظهورنا، أستطيع أن أقول بأن الشيء الوحيد الذي لم أُدر له ظهري بعد أن كبرت حكايات أمي وأغانيها الفلكلورية في ليالي الشتاء وبطبيعة الحال لم أنس المطر.. للمطر في الطفولة ذكرى من نوع خاص، إنها جميعاً أيقونات لمّا تزل معلقة على جدار قلبي.
"كل طفولة محنة".. هذا ما كتبه "سليم بركات" مرة، لكن رغم ذلك كله كان هناك شيء ما من الدفء، كانت أشباح الطفولة تهيم من حولنا، كنا مشغولين عن العالم بملاحقة الفراش والحلم الذي تعثرنا به عندما كبرنا، من هناك ربما كان الشعر يتربص بي.. من هناك كان يمسك بناصية روحي، وربما في ذلك الطين كانت بذور البنفسج تمضي السبات.
** المشهد الشعري في سورية يعيش حالة تشبه المد والجزر، الشعر حالة إنسانية ترتبط بوجدان الإنسان فهي ديمومة لا يمكن أن تنطفئ أو تؤجل، إن المشهد الشعري وما يعيشه من ركود يرتبط بحالة ركود عامة للأدب والثقافة، فالرواية ليست أفضلا حالا والأمر ذاته يتعلق بالقصة القصيرة.. ولا يمكن للأدب أن ينفصل عن محيطه إذ انه الابن الشرعي لهذا المجتمع، إن غياب النقد ومواكبته لحركة هذا المشهد يضعف التواصل بينه وبين الآخر المتلقي، كذلك تبرء الإعلام من الحركة الثقافية وترويج ثقافة الفيديو كليب والغث من البرامج التي لا تسمن أو تغني عن جوع، وإهمال الجهات القائمة على الثقافة للمواهب الشابة وعدم تبنيها يشكل فجوة كبيرة تؤدي بهؤلاء إلى نوع من الانزواء عن المشهد الثقافي، إضافة لمجموعة أسباب أخرى، لا أريد أن يفهم من حديثي إنني أنعي الشعر، لكنني أقول بأنه الآن في غرفة الإنعاش وما لم نعالج الأسباب فما علينا سوى أن ننتظر ما هو أعظم.
** نعم.. الأمر ليس اعتباطياً، أو انتقائياً، بل يتعلق بشكل التعبير، فما لا أستطيع التعبير عنه بالشعر يمكن أن أعبر عنه بالقصة، ولا يخفى على مطلع بأن ثمة وشائج قوية بين الشعر والقصة وأستفيد من استعارة روح كل منها للأخرى، ولا أخفيكِ سراً إذا قلت بأنني أميل إلى كتابة القصة.. إذ يمكنني التحليق أكثر في فضائها المطلق، حيث أطلق قطعان الفراش في حقول الاستعارات والصور والموسيقى، في القصة مناخات أخرى لا تتوفر في الشعر فهناك الحدث القصصي والحبكة القصصية والعقدة والحوار.. الخ.
بالنسبة لي الجوائز لا تشكل هاجساً، الجائزة نوع من الثناء والإشادة بمجهود الكاتب وتحفيزه على كثير من العمل وإنتاج الأفضل على الدوام، لذلك تعتبر الجوائز مسؤولية أكثر من أي اعتبار آخر، برأيي على الكاتب ألا ينتظر أو يترقب أثناء كتابة أي عمل الحصول على مقابل، يجب أن تكون الكتابة وجودة العمل الأدبي قبل أي شيء وقبل أي اعتبار.
** من الأسماء التي تستحضرني في مجال القصة والرواية القاص والروائي "محمد باقي محمد" الذي يذوي صوته عالياً في أعماله، وكأني به يحاكي "تولستوي" عندما قال: يجب ألا تكتب إلا عندما تكون قادراً أن تخلّف في المحبرة قطعة من لحمك في كل مرة تغمس فيها ريشتك.
إن المهمة الأساسية في كل ما يكتبه برأيي هو أن يكشف للناس عن أشياء جديدة عن أنفسهم وعن الآخرين وأن يسلط الضوء على أرواحهم المطفأة ليقول لهم: انظروا.. ها أنتم ذا.. إن أبطاله الذين يتحركون على الورق هم من لحم ودم، يستطيع المرء أن يلمسهم ويشعر باختلاجاتهم، كما ويستطيع بلا مغالاة أن يلتمس حيناً دموعاً دافئة وأحياناً أخرى دماً لا يزال غضاً.. إنه لا يلعن الظلام، لكنه يشعل شمعة في العتمة.
** قال أحدهم مرة بما معناه: إن المرأة هي إحدى الغلطات الجميلة للطبيعة.. تصوري شكل العالم لو لم تقع مثل هذه الغلطة!
لقد بقيت الأنثى على مر العصور لغزاً شغل الحكماء والفلاسفة والشعراء، وكانت على الدوام موضوع ميثولوجيا جميع الشعوب القديمة.. فهي آلهة الحب والخصب وإكسير الخلود.
لو لم توجد الأنثى لحرمنا من خبز الحياة وسحرها، وما كنا لنتمكن من قراءة الأعمال الخالدة لـ"هوميروس" و"شكسبير" و"تولستوي" و"همنغواي" و"هوغو" و"ماركيز" و"بورخيس"، يقول "أنون": الحب والمرأة سبب استمرار الكون.
أما الشاعر "شيركو بيكس" قال حين سؤاله عن المرأة في شعره بأنها كخط الاستواء في خريطة اللغة الشعرية.
حقاً الأنثى كيمياء القصيدة وملحها، وقمر الليالي الذي يطل على شرفة أعمارنا..
بدون أنثى لا توجد قصيدة ولا يوجد شاعر.