في مقدمة كتابه "حديث العبقريات"، يقول شيخ الصحفيين السوريين الأديب "عبد الغني عطري": «عندما يغيبون نذرف عليهم بعض دموع التماسيح, ثم لا نلبث أن ننساهم, تغيب أسماؤهم عن الأذهان، وتنساهم الأجيال الثلاثة... أعلام يظهرون في مجتمعنا يتألقون بعض الوقت.. وعندما تدق ساعة الرحيل نشيعهم بكلمات باهتة ثم نطوي صفحات نضالهم إلى الأبد..»(1), ما قاله شيخ الصحفيين السوريين ينطبق على رحيل قاصنا "خليل جاسم الحميدي"، فـ"الحميدي" على أهميته في مجال القصة في الساحتين السورية والعربية هُضم حقه بعد رحيله على الصعيد الإعلامي والنقدي.
إن مجموعة الحميدي "الركض في الأزمنة المنهوبة" تتضمن ثماني قصص هي على الترتيب:1- الركض في الأزمنة المنهوبة. 2- القتلة لهم أغانٍ أيضاًَ. 3- الثلج والنار. 4- رجل تسانده الحكومة. 5- الذوبان حباً. 6- السقوط في الجانب المثير. 7- الاغتيال في الظهيرة. 8- المدن ليست متشابهة.
لماذا لا تريد أن تنام؟ ## - خائف يا أمي ## - ممن تخاف يا ولدي؟ ## - من الظلام
والأنثى حاضرة في مجموعته بشكل قوي، وهي تعني الخصب والحياة والفراق والأمل، فهي المعشوقة والأم والوطن، ومثال الأول: «مد يده إليها, شد على يدها بقوة, بحب, بحنان, وكانت ترتجف في يده, مثل حمامة بللها المطر.
- بارعة
- نعم
- احبك» (2).
ومثال الثاني: «لماذا لا تريد أن تنام؟
- خائف يا أمي
- ممن تخاف يا ولدي؟
- من الظلام» (3)
ومثال الثالث: «تحرك الرجل، تحركت المرأة في وقت واحد، تداخلا، قلبا نظام السرير كله، ارتجف الجندي, اختلجت المرأة, صارا شيئاً واحداً, ثم همدا بفرح، فساد الصمت الغرفة، في حين اشتد زخم الرصاص في الجولان» (4).
فالأنثى هي ذلك الرمز الذي يعشقه "الحميدي"، ويحاول أن يحمله كل ما يود إيصاله للقارئ، واللغة عنده جزلة حركية تصويرية، تتناسب مع الفضاء القصصي، فهي بيئية تتناسب مع بيئة المكان التي يطرقها "الحميدي": «تصورها, وفوق جسدها ترقص كل رسومه, تدخل فيه, تخرج منه, تدخل, تخرج, تقفز, تنط كالقطط العاشقة في الصباحات الربيعية المشمسة, أحس برأسه يدور, يثقل, يريد أن ينفجر انحدر الدم إلى عينيه, حجب الرؤية عنه, ومن بين ألمه وحزنه صرخ» (5).
والالتصاق بالواقع الاجتماعي مفتاح في هذه المجموعة، يعلن عن نفسه في كل قصة، فـ"الحميدي" يعبر عن الإنسان في بيئة "الرقة" الريفية في سبعينات القرن المنصرم، ومشاكله التي تواجهه في عمله الوظيفي، ومحيطه الاجتماعي: «فالحكومة قطعاً، لا تقبل أن يكون أحد موظفيها خادماً في بيت أحد, كائناً من كان, حتى ولو كان المدير نفسه, لأن في ذلك إساءة لها بالذات, دليل على عدم احترامها, فهو ابن حكومة كما المدير, والمسؤول القادم من العاصمة» (6).
وقضايا الأمة والوطن لا ينساها "الحميدي"، وكيف لا؟ وهو البدوي المحمل بالحزن والهم لما يعتري أمته من نوائب، فـ"الجولان" الحبيب حاضر في مجموعته، ويلتصق "الحميدي" به، وينغرس بترابه: «شدها بفرح, شدته إليها بحنان، وكما يحدث في الحلم, رأى يده المقطوعة مقبلة نحوه, وبهدوء استقرت في مكانها, غمس أصابعه العشرة في الظهر, أحس بأصابعها العشرة تنفذان فيه, تخترقان عظامه كالشعاع, فعرف وقتها لماذا قاتل, والتحم بالأرض, صار شيئاً منها، حجراً, عشباً, شجراً، وانشق فيها خندقاً, ومتراساً وبارودة, ورضي في لحظة الفعل والامتحان والمواجهة, أن تبتر يده, دون أن يحتج أو يتألم» (7).
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة لماذا مجموعة الركض في الأزمنة المنهوبة ذات فكرة واحدة؟ فـ"الحميدي" يحرص على أن تكون المجموعة القصصية عنده ذات وحدة مكانية، وفكرية اجتماعية واحدة، توصل للقارئ ما يرمي إليه، وبطريقة متميزة، فالتركيز في مجموعة واحدة يساعد على معالجة سردية قصصية بشكل أفضل من أن تكون كل قصة لها فكرة مختلفة, والاختلاف عنده يكمن في طريقة الإيصال، فهو ينقلك في كل قصة إلى نمط يكون مختلفاً عن النمط الذي يكون سائداً في القصة، التي سبقتها مستفيداً من تمكنه من أدوات القص، ولغته القوية، ومخزونه الثقافي، محملاً القصة أبرز سمات القص في سبعينيات القرن المنصرم في سورية، ولا أبالغ حين أقول في المحيط العربي ككل، وأشارك الناقد الدكتور "نضال الصالح" رأيه حينما قال: «"للحميدي" أسلوبه ومكانته في الساحة القصصية السورية، وبنفس الوقت له أسلوبه الذي يميزه عن الآخرين».
وفي النهاية لا يسعنا إلا الاستشهاد بالمقولة الأثيرة: «لولا الموت والفراق.. لكانت الشمس أكثر إشراقاً».
الموت غيّب "خليل جاسم الحميدي" لكن قصصه ستبقى في قلوبنا وعقولنا، وحال ألسنتا تردد أنه كان يعيش هنا بيننا، وترك في مكتباتنا ما يذكرنا بأنه ليس شخصاً عادياً يمر في حياتنا كعابر سبيل، بل إنه قاص مبدع لا يمكن أن ينسى.
المصادر:
1ـ صحيفة تشرين ـ العدد 10422 ـ الأحد 22 شباط 2009 ـ الصفحة الثقافية
2ـ الركض في الأزمنة المنهوبة ـ ص13