من المعتقدات الدينية والاجتماعية القديمة في منطقة "عفرين" تحريم إيذاء الأسماك في نهر "عفرين" الذي كان يُعرف بنهر "خالس" وتقديسها.
حول هذا الموضوع سأل موقع eAleppo بعض المواطنين في المنطقة فقال أولاً السيد "شيروان مصطفى" من "عفرين": «عندما كنا صغاراً كنا نسمع من أهالينا الكثير من هذه المعتقدات الموروثة منذ أقدم الأزمنة ومن هذه المعتقدات تحريم اصطياد السمك في بحيرة صغيرة واقعة بالقرب من نهر "عفرين" هي "كول بعير" دون أن يوضّحوا لنا السبب في هذا التحريم وربما هم أيضاً لم يكونوا يعرفون ذلك ولكنهم ورثوا تلك المعتقدات عن أسلافهم.
إنّ تحريم اصطياد السمك في "نهر عفرين" وتناول لحمه هو اعتقاد قديم وخاص بأبناء الديانة الإيزيدية وكذلك دليل على قدم وجود هذه الديانة في منطقة "عفرين"
في الوقت الحالي ومن خلال قراءاتنا للكتب والدراسات التي تتناول المنطقة بنواحيها المختلفة عرفنا أنّ هذا الاعتقاد قديم جداً وله جذور دينية تخص أبناء الديانة الإيزيدية على الرغم من أنّ هذا الاعتقاد كان عاماً».
"محمد أوسو" من "جنديرس" قال: «نعم سمعت بهذا المعتقد من آبائي وأنا صغير فقد كان من غير المستحب أن نقوم باصطياد السمك في نهر "عفرين" والبحيرات والبرك المائية الصغيرة الملحقة به وخاصة "كول بعير" ولكني حتى اليوم لا أعرف لماذا كانوا يحرمون ذلك.
في الوقت الحالي بات هذا الاعتقاد بحكم المندثر ولم يعد له وجود سوى في ذاكرة المسنين وكبار السن من أهل المنطقة فالناس يقومون باصطياد الأسماك في النهر لتناولها أو لبيعها في السوق ويتميز السمك الذي يعيش في نهر "عفرين" بمذاقه اللذيذ والطيب وهناك في منطقة "بحيرة ميدانكي" الشهيرة وعلى ضفاف النهر مجموعة من المطاعم والمنتزهات الخاصة بتقديم الأسماك التي يصطادونها من البحيرة والنهر».
وحول هذا الموضوع توجهنا بالسؤال للدكتور "محمد عبدو علي" الباحث في تاريخ منطقة "عفرين" فأجاب بالقول: «إنّ تحريم اصطياد السمك في "نهر عفرين" وتناول لحمه هو اعتقاد قديم وخاص بأبناء الديانة الإيزيدية وكذلك دليل على قدم وجود هذه الديانة في منطقة "عفرين"».
وحول أصل وجذور هذا المعتقد قال: «يعود السبب في ذلك إلى اعتقاد لدى أبناء هذه الديانة ومفاده أنّ الكون يستقر على ظهر حوت /وهو نوع من أنواع السمك/، وهناك رواية دينية أخرى مفادها أنّ السمك قد أخرج الجوهرة التي تمثل الحقيقة الإلهية من جوف البحر وقام بتقديمها إلى "درويش" والد "إبراهيم آدم" أو "إبراهيم أدهم" الشخصية صاحبة البركات في الرواية الدينية الإيزيدية».
وقال الدكتور "محمد عبدو علي" متابعاً: «يُعرف عن سكان "سهل جومة" الإيزيديين بأنهم كانوا يحرمون إيذاء أو اصطياد الأسماك التي كانت تعيش في الينابيع المجاورة لنهر"عفرين" ولا يزال هذا الاعتقاد موجوداً لدى كبار السن والمعمّرين سواء بالنسبة للإيزيديين أو غيرهم من سكان المنطقة».
وأضاف: «يعود هذا الاعتقاد بجذوره التاريخية إلى عصور قديمة جداً أي حوالي 2400 سنة خلت فقد ذكر المؤرخ اليوناني الشهير "كزينفون" في العام 400 قبل الميلاد في معرض وصفه للأقاليم والمناطق التي مر بها في حملته على فارس وصفاً لنهر "خالوس" أو "نهر عفرين" الحالي كما تحدث حول معتقدات الناس الذين كانوا يعيشون بجواره قائلاً في الصفحة 55 من كتابه "رحلة العشرة آلالف" الذي ترجمه عن الانكليزية "يعقوب أفرام منصور": وكان النهر مملوءاً بالأسماك الأليفة التي عدها السوريون آلهة لا يجيزون لأحد إيذاءها».
وختم قائلاً: «يستدل مما ذكرناه أعلاه ووفق شهادة المؤرخ اليوناني "كزينفون" أنّ الاعتقاد بقدسية الأسماك موجود في منطقة "عفرين" ومعمول به منذ حوالي 24 قرناً من الزمان وكان تحريم إلحاق الأذى بها وأكل لحومها في القرون الثمانية الأخيرة على الأقل اعتقاداً خاصّاً بأبناء الديانة الإيزيدية في المنطقة».