يعتبر الناس في منطقة "عفرين" "وادي تيران" أو "وادي النشاب" مكاناً مقدساً وله احترام خاص لأنّ المجاهدين العفرينيين قدموا في بطونه وعلى مشارفه ملاحم من البطولة والعزة لا يمكن نسيانها في وجه المستعمرين الفرنسيين منذ أن وطئت أقدامهم أرض سورية.

وللحديث أولاً حول موقع "وادي تيران" يقول السيد "حسن بكري" وهو من أهالي منطقة "عفرين": «لوادي تيران حضور لا ينقطع في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة فهو رمز من رموز البطولة والفداء والتضحية في سبيل تحرير الوطن من الفرنسيين وذلك في بدايات القرن الماضي.

بينما كان المجتمعون منهمكون في توزيع المهمات تفاجئوا بصفارة القطار تخترق أسماعهم فسرعان ما استنفر الجميع وانتشروا على طرفي "وادي تيران" وعندما وصل القطار إلى مرمى أسلحتهم أمطروه بوابل من نيرانهم وتمكنوا من قتل جنديين فرنسيين كما اغتنموا بعض الأسلحة والعتاد ثم عادوا إلى قراهم بعد أن خيم الظلام على الوادي الذي شهد معركة "وادي تيران" الأولى

يقع هذا الوادي على الطريق العام الذي يربط مدينة "عفرين" بناحية "راجو" الواقعة إلى الشمال الغربي منها بنحو 25 كم، وذلك بين جبلين شاهقين تكسوهما أشجار السنديان والزعرور والبلوط والزيتون البري وتمر به سكة قطار الشرق السريع الذي يصل سورية بتركيا منذ العام 1912. وباعتباره ممراً إجبارياً للنقل البري والحديدي فإنّ المجاهدين والثوار كمنوا على أطرافه عشرات الكمائن خلال ثورتهم على المستعمرين الفرنسيين في البلاد وخطوا بدمائهم الزكية على حجارته بشائر النصر والجلاء عن الوطن وبذلك تحول الموقع إلى أحد أبرز المواقع ذات الاحترام والقدسية لدى الناس».

المجاهد سيدو ديكو أحد مجاهدي عفرين

وعن أهمية هذا الموقع يقول السيد "لقمان عبد الرحمن": «تكمن أهمية "وادي تيران" أو كما يسمى وادي النشاب في أنه قدّم للأجيال في المنطقة وما يزال يقدم للجيل الحالي معاني الإباء والفداء والبطولة وحب الوطن، تلك المعاني والقيم التي زرعها لنا أجدادنا بدمائهم الزكية على أطراف هذا الوادي وبطونه، هذا من جهة ومن جهة ثانية فهو يعتبر منطقة جميلة ذات مناظر طبيعية خلابة يرتادها الكثير من المصطافين والزوار وذلك لقضاء يوم ربيعي جميل في أحضانها».

ويقول الدكتور "محمد عبدو علي" الذي كتب العديد من الدراسات والكتب حول منطقة "عفرين": «في بداية دخول الفرنسيين إلى منطقة "عفرين" التف العديد من الرجال حول "سيدو ديكو" وهو من الشخصيات البارزة والمعروفة حيث ما زالت تروى عنه حكايات ونوادر حول الجرأة والشجاعة.

المجاهد أحمد روطو أحد مجاهدي عفرين

قاد "سيدو ديكو" جزءا من المقاومة في المنطقة حيث جرت بين رجاله والجنود الفرنسيين معارك واشتباكات عديدة ومن أهم تلك المعارك معركة "وادي تيران" /"وادي النشاب"/ التي جرت في العام 1921م حيث تمكن "سيدو آغا ديكو" و"أحمد روطو" و"أصلان آغا" ومقاتلوهم من قطع السكة الحديدية في ذلك الوادي فتدهور القطار المحمل بالجنود الفرنسيين حيث وقعوا جميعهم بين قتيل وأسير وجريح».

ويقول "شيخو علي" في كتابه /جبل الكرد إبان الانتداب الفرنسي/ -2003 ما يلي حول "وادي تيران" أو "وادي النشاب": «في ربيع العام 1920 عقد اجتماع حاشد لوجهاء "جبل الأكراد" بالقرب من "وادي تيران" القريب من قرية "بعدنلي" التابعة لناحية "راجو" تداول فيه المجتمعون كيفية مقاومة الفرنسيين فقسموا "جبل الأكراد" إلى وحدات عشائرية تدافع كل عشيرة عن موقع محدد لها فمثلاً أُسندت لعشيرة "الشيخان" مهمة تعطيل جسر "هره دره" في حال دخول الجيش الفرنسي بالقطار، كما أُسندت مهمة العمليات العسكرية في "وادي تيران" إلى "ايبش حسن ايبش" نظراً لمرور سكة الحديد القادمة من تركيا عبر هذا الوادي».

كتاب المرحوم شيخو علي

ويتابع: «بينما كان المجتمعون منهمكون في توزيع المهمات تفاجئوا بصفارة القطار تخترق أسماعهم فسرعان ما استنفر الجميع وانتشروا على طرفي "وادي تيران" وعندما وصل القطار إلى مرمى أسلحتهم أمطروه بوابل من نيرانهم وتمكنوا من قتل جنديين فرنسيين كما اغتنموا بعض الأسلحة والعتاد ثم عادوا إلى قراهم بعد أن خيم الظلام على الوادي الذي شهد معركة "وادي تيران" الأولى».

ويضيف "شيخو علي" متحدثاً عن معركة "وادي تيران" الثانية قائلاً: «بعد هجوم المجاهدين على الحامية الفرنسية في بلدة "راجو" بفترة وجيزة /وتحديداً في العام 1921م/ قرروا المرابطة على طريق القطار في موقع "وادي تيران" حيث انتشروا على أطرافه وعند سفوح الجبال المطلة عليه وكان المجاهدون بقيادة كل من "سيدو آغا ديكو" و"أحمد روطو" و"عبدو خوجة" و"حسين آغا كوتو" الذين أمروا بقطع وتمزيق سكة الحديد وعندما وصل القطار إلى النقطة المعطلة خرج عن السكة وانهمر عليه الرصاص من كل حدب وصوب حيث تكبد الفرنسيون خلالها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد ثم انسحب المجاهدون بشهيد واحد بعد أن غنموا الكثير من السلاح والذخيرة».

هذا هو "وادي تيران" الذي شهد العديد من المعارك والاشتباكات التي قادها المجاهدون والثوار ضد قوات الاحتلال الفرنسي للبلد ومنذ تلك الأيام وحتى اليوم لم يفارق الوادي بحجارته وسنديانه وبلوطه ذاكرة الناس وأغانيهم الفلكلورية الشعبية وهو مازال يحظى باحترام كبير من قبل مواطني المنطقة وسيظل.