يوم كان الفينيقيون أسياد "البحر المتوسط" ازدهرت تجارتهم وبنوا لأنفسهم أسطولا تجارياً وصل إلى سواحل إفريقيا و"المحيط الأطلنطي"، فكانت "سفينة فينيقيا" وهي موضع حديثنا إحدى مكونات هذا الأسطول، والتي سافرت عبر الزمن لتعود إلى الحياة مرّة أخرى على أيدي "أحفاد الفينيقيين" وصنّاع السفن من "أهل أرواد".
ولنعرف قصّة هذه السفينة التقينا الأستاذ "عروة محمّد أبوبكر" خرّيج كليّة "إدارة أعمال بحريّة" من جامعة "ساوث هامبتون" في بريطانيا ومدير مشروع بناء السفينة الذي حدّثنا عن المشروع قائلاً: «السفينة "الفينيقيّة" فكرة لإعادة صناعة الشكل المماثل لهذه السفينة من أيّام "الفينيقييّن" وهي تقوم بنفس الجولة التي كانت تقوم بها في ذلك الزمن، ُبنيت هذه السفينة في عام 600 قبل الميلاد في عهد الملك الفرعوني "نيخو" الذي أمر ببنائها لغاية التجارة ونقل زيت الزيتون وغيره من المنتجات والتي دارت حول رأس "الرجاء الصالح" وعبرت "المحيط الأطلسي" وصولاً الى "البحر المتوسط"، أمّا الآن فقد أعيد بناؤها بدعم من المملكة المتحدة عبر جمعية "الصداقة السوريّة- البريطانيّة " والحكومة السورية، وقد تقدّم بالفكرة وأشرف على إدارتها "المهندس البريطاني فيليب بييل"، وعرض عليّ المشروع لمعرفته بي من أيّام دراستي في "بريطانيا"، ومن جهتي قبلت المشروع الغاية في الصعوبة والدقّة والدليل على ذلك أنه عُرض على جهات "مصريّة وتركيّة ولبنانيّة" وغيرها، فكان الجواب بالرفض لصعوبة الفكرة في حين أنّ "الأرواديين" هم ورثة الفينيقيين في صناعة السفن وما زالت روح المهنة متشرّبة في دمهم، فقمت بتقديم صانع الزوارق البحريّة النجّار "خالد محمّد محمود" لإدارة المشروع والذي قام ببناء هيكل السفينة حيث أنهى فريق العمل السفينة في ستة أشهر في حين كان عقد العمل يمنحه 18 شهراً لإنهاء بناء السفينة، وتم تدشين السفينة في 10/8/2008».
بناء هذه السفينة تحدٍّ كبير تم إنجازه وبدقّة عالية، وفخرنا برفع رأس سوريّة عالياً أمام العالم والحفاظ على تراث أجدادنا وحضارتنا القديمة بعمر الزمن، حقّاً إنّ سوريّة هي مهد الحضارات
التقت eSyria مع السيّد "خالد حمّود"، والذي تحدّث عن بنائه للسفينة: «بُنيت السفينة على الطراز الفينيقي من خشب "الجوز والصنوبر الحلبي والزيتون" وذلك بوضع الألواح الخارجيّة قبل الأضلاع الداخليّة لهيكل السفينة، بعكس بناء السفن في أي مكان من العالم بحيث تُبنى الأضلاع الداخليّة لهيكل السفينة قبل الألواح الخارجيّة، فتم جمع الألواح مع بعضها بصنع فراغ من طرفي اللوح بعمق 5سم ووصل اللوحين المتقاربين بقطعة خشبيّة تدخل ضمن الفراغ تُسمّى "لسان"، ثمّ يتم صنع فتحة في لوح الخشب مكان دخول "اللسان" توضع فيها قطعة خشبيّة تُسمّى "خابور" لتقوية وصل "اللسان" مع لوح الخشب، بعدها يتم صنع الهيكل الداخلي المكوّن من "الأضلاع" مع تفاصيل أخرى كثيرة تؤدّي في نهاية الأمر إلى صنع السفينة كاملة وذلك وفق المواصفات القياسية التي أعطاها المهندس المختص بعلم "الآثار البحري" بما يشبه السفينة "الفينيقيّة" الأصليّة».
كما التقينا "عبد الجليل أرسلان" من سكّان "أرواد" ومتابع لبناء السفينة "الفينيقيّة" من البداية حتّى التدشين، والذي قال لنا: «من عرِف فكرة بناء السفينة من البداية سيشك في قدرة أحد على بنائها بنفس معايير السفينة الأم لأن الفكرة كانت تبدو خيالية، وفي زيارتي الأخيرة "للبنان" قال لي رجل عمره 80 سنة من الخبيرين ببناء الزوارق أن بناء السفينة صعب جداً وأنا شخصيّا لا أخاطر بتبنّي هذه الفكرة لأنّ فرصة النجاح ضئيلة، لكن عندما شاهدنا السفينة بشكلها النهائي صدّقنا الفكرة وكانت فعلاً حدث هام مشرّف "للصانع السوري"، ويزيد هذا الإحساس عند مشاهدة قناة "BBC البريطانيّة" وقنوات عربيّة عديدة تزور "أرواد" لمشاهدة السفينة وتصويرها حتّى وصلت نسبة السيّاح الزائرين "لأرواد" حينها إلى 200% عن أي وقت آخر، هذا يؤكد مدى أهمّية استثمار المقوّمات السياحيّة للبلد بشكل مناسب».
وقد ذكر "الأستاذ عروة" أنّ السفينة انطلقت في رحلتها التي ذكرها سابقاً في 15/8/2008 لتتم دورتها وتعود إذا شاء الله الى أرواد خلال شهر آب 2010 حيث ستتجه بعدها الى "المتحف البحري البريطاني" ليتم عرضها نهائيّاً هناك.
ختم الأستاذ "عروة أبو بكر": «بناء هذه السفينة تحدٍّ كبير تم إنجازه وبدقّة عالية، وفخرنا برفع رأس سوريّة عالياً أمام العالم والحفاظ على تراث أجدادنا وحضارتنا القديمة بعمر الزمن، حقّاً إنّ سوريّة هي مهد الحضارات».