لنهر قويق" حكاية طويلة مع مدينته المحبوبة "حلب" فهو شاهد على كل الأحداث التي مرت على المدينة بل كان أحد أسباب نشوء المدينة حيث كانت بدايات تكوّن المدن عبر التاريخ هو حول مصادر المياه...
كما منح "نهر قويق" للمدينة الخير والبركة فظلت ضفافها خضراء جميلة عبر الزمن حيث كانت تعج بالبساتين والجنائن، وأخيراً كان له دور في حياة الحلبيين الدينية من خلال تحريم اصطياد الأسماك فيه باعتباره من الأنهار المقدسة.
قال "ابن خطيب الناصرية" ما ملخصه أن "نهر حلب" اسمه "نهر قويق" وكان يجري في الصيف وينقطع في الصيف ومنبعه من بلاد "عنتاب" وغوره في "المطخ" حتى ساق الأمير "أرغون" نائب "حلب" "الساجور" إليه فدام جريانه
والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا وأذهان الكثير من أهالي مدينة "حلب" هو: ما الأسماء التي حملها النهر خلال مسيرته التاريخية، وما أصل تسميته الحالية "قويق"؟
مراسل موقع eAleppo التقى بالباحث الأثري المعروف الدكتور "محمود حريتاني" وهو المدير السابق لآثار ومتاحف سورية الشمالية وسأله عن أصل كلمة "قويق" فأجاب بالقول: «لقد كان النهر يُسمى قديماً بالنهر المقدس وكان يُحرم اصطياد الأسماك فيه، وفي العهد الروماني أطلق "الرومان" على النهر اسم "كاليس"، أما بالنسبة للتسمية الحالية "قويق" فلا يوجد لدينا أية معلومة تاريخية مثبتة وموثقة حولها وما يورده بعض المؤرخون من أسماء مختلفة فهي في الحقيقة غير دقيقة من الناحية العلمية والأثرية وإنما تشكل نوعاً من الاجتهادات الشخصية ليس إلا».
مؤرخ حلب الشيخ "كامل الغزي" يسمي النهر باسم "نهر حلب" في كتابه /نهر الذهب في تاريخ "حلب"/وحول التسميات التي أطلقت على النهر عبر التاريخ يقول: «قال "ابن خطيب الناصرية" ما ملخصه أن "نهر حلب" اسمه "نهر قويق" وكان يجري في الصيف وينقطع في الصيف ومنبعه من بلاد "عنتاب" وغوره في "المطخ" حتى ساق الأمير "أرغون" نائب "حلب" "الساجور" إليه فدام جريانه».
ويضيف "الغزي": «عن "ابن شداد" أن "قويق" هو تصغير /قاق/ وأنه شاهد لهذا النهر مخرجين بينهما وبين "حلب" أربعة وعشرون ميلاً أحدهما في قرية "الحسينية" بالقرب من "إعزاز" والآخر عيون من "عنتاب" وبعض قراها ويجتمع النهران ويصيران نهراً واحداً يجري إلى "دابق" ويمر بحلب وقبل وصوله إليها تمده عدة عيون فيعظم وتدور به الأرجاء، وقال "ياقوت الحموي" في /معجم البلدان/ اسم "نهر قويق" بحلب مقابل "جبل الجوشن" /العوجان/ وأنشد بـ"ابن أبي الخرجين" شعراً:
هل /العوجان/ الغمر صاف لوارد/ وهل خضبته بالخلوق مدود».
وعن بعضهم أن مخرج هذا النهر اسمه "قويق"، وقال "ابن الشحنة" ورأيت لهذا النهر منبعاً في قرية يقال لها "أرقيق" بين "حلب" و"عنتاب".
وقد فهمت أمراً بديعاً من وراء ما ذكره "ابن شداد" وهو أنّ "قويق" تصغير /قاق/ الطائر المعروف وهو يخالف طبعه الحر فيكون في غاية الضعف صيفاً وفي غاية النشاط شتاءً.
والذي أراه- والكلام للمؤرخ "الغزي"- أنّ هذا النهر من جملة الأنهار الطبيعية قديم جداً لا يُعرف من جره من أصله خلافاً لمن زعم أن الذي جره هو الشيخ "قويق" المدفون بالتربة جنوبي "حمام اللبابيدية" وهذه التربة لا نعلم أحداً دُفن بها غير "أرغون" نائب "حلب" الذي ساق "الساجور" إلى النهر كما تقدم ولعل "قويق" أضيف إلى "أرغون" لمزيد عنايته به فقيل عنه "شيخ قويق" فحرّفته العامة إلى "الشيخ قويق"، وعندي أن لفظة "قويق" تحريف "قواق" لا تصغير "قاق" وهي أي /قواق/ يجوز أن تكون من الكلمات التي يستعملها الآن عرب البادية مما لم تحط به معاجم اللغة وذلك أنّ عرب البادية يسمون مجرى ماء المطر في الصحراء /قواق/ ويلفظون قافها كافاً مفخمة ولما كان "نهر حلب" العظيم مائه من المطر سُمي بهذا الاسم فهو على هذا التقدير لفظ عربي ويجوز أن تكون هذه الكلمة "قواق" لفظة تُستعمل الآن بالتركية بمعنى /الحور/ وهو الشجر المعروف وذلك أنّ هذا النهر كان ولم يزل يزرع على شطوطه في مبدئه من بلاد "عنتاب" شجر الحور فينمو وينجب ويباع منه مقادير عظيمة فعُرف النهر به لكثرة زرعه عليه والذي يؤيد هذا أن إطلاق هذه اللفظة على هذا النهر لم يكن إلا في أيام دولة "بني طولون" إذ أنهم قوم من الأتراك حكموا "حلب".
كان النهر يُسمى قديماً "شالوس" وقال بعضهم أنّ هذا النهر يقال له "سيغا" أو "سيكويم" وأنّه كان يُسمى قديماً "بيلوس" وسماه "كزينفون" اليوناني "خالس" وقال عنه /وهو نهر صغير فيه أنواع من السمك والسوريون يحسبونه آلهة ولا يسمحون لأحد أن يصيده/».
وأخيراً يقول "الغزي": «ولهذا النهر في بعض السنين طغيان عظيم من كثرة الأمطار فينبسط ماؤه إلى مسافة ميل من جانبيه وهذا الطغيان لا يدوم فوق عشرين يوماً ثم يأخذ بالتناقص وقد طغى في زمن "سيف الدولة الحمداني" حتى أحاط بداره على سفح "جبل الجوشن" وفي ذلك يقول "أبو الطيب المتنبي":
حجب ذا البحر بحار دونه/ يذمها الناس ويحمدونه
يا ماء هل حسدتنا معينه/ أم اشتهيت أن ترى قرينه
أم انتجعت للغنى يمينه/ أم زرته مكثراً قطينه
أم جئته مخندقاً حصونه/ إن الجياد والقنا يكفيه».