ربما لم ينتبه إليه أحد على الإطلاق، كان يعشق الموسيقا، تلك التي تسمى شعبية، فالآلة هي الربابة، والعائلة كلها تعشق الموسيقا، ولكن "علي" تمنى أن يلتفت إليه الإعلام ولو مرة، وأخيراً وجد ضالته عندما التقاه موقع eSyria في بلدته التي ولد فيها "تل الدرة"، اكتملت فصول اللقاء، لكن شيئاً واحداً بقي خارج الحدود، فلو قدر لهذا اللقاء أن يجد طريقه إلى النشر، ولربما قرأه كل العالم، إلاّ "علي" الذي توفي بعده بأيام قليلة.

ترددت كثيراً في نشر هذا المقال، لأن حزني فاض بي، كان صديقاً، وما نفع اللقاء إن لم يمتع نظر صاحبه، ولكني وجدت أن الواجب المهني، والأخلاقي يفرضان علي أن أقوم بمحاولة النشر، فقد يرتاح "علياً" في عالمه الجديد، وتتحقق أمنية اللقاء.

إن مسرح "علي" فيه مزيج جميل من الحزن، يعبر عنه بطريقة كوميدية

ما قبل الموت: يقول "علي" وهو الذي يعشق الشعر كتابة وقراءة: «أنا كالإسفنج أمتص الحانات ولا أسكر».

"علي العرنجي" عزف على العود

ويتابع القول: «بهذه العبارة أحاول أن أقول بأن طموحي لا يقف عند أي حد، فقد أتقنت العزف على الربابة، وأحببت المسرح فأبدعت فيه، ومع ذلك قررت السفر».

النشأة: يقول في نشأته التي أحبها لأنها جعلت منه إنساناً يعشق الموسيقا: «ولدت عام 1985 لعائلة تهوى الفن فقد كان أبي عازفاً على آلة "العود"، وكذلك "الربابة"، إلى جانب وظيفته كمدرس لمادة الموسيقا، فهو الذي وجهني باتجاه الموسيقا وعلمني العزف على الربابة، وكذلك على آلة العود، ومثله فعلت والدتي التي تعمل مدرّسة في مدارس القرية، لقد لعبوا دوراً أساسياً إضافة إلى إخوتي في تغيير مسار حياتي نحو الأفضل، وهذا الشيء دفعني إلى تطويرها من خلال متابعتي لدراستي الابتدائية، والإعدادية، والثانوية في مدارس القرية».

ويعزف على الربابة

الألم يعتصر الفتى العازف، لكنه يضيف: «بعد حصولي على الثانوية العامة بمجموع علامات جيدة تؤهلني لدخول أي فرع علمي أرغب به، لم أستطع الإلتحاق بالجامعة بسبب المرض الذي أعاني منه منذ الطفولة، فقد غير مسار حياتي، ودفعني إلى دراسة معهد التعويضات السنية في"حماة" كونها أقرب إلى بلدتي، وبعد تخرجي ساعدني أهلي على إنشاء مخبرٍ للتعويضات السنية في"سلمية"».

ولأنه يعاني من مرض مزمن، كان لا بد من وجود صعوبات عانى منها في حياته العملية، وعنها يقول: «في البداية بدأ المَخبر يعمل بشكل جيد، لكن تعاملي الصادق مع الأطباء ولّد ديوناً على المخبر، أدى إلى إغلاقه لفترة مؤقتة، والانتقال إلى العمل في الأرض، ثم عدت إلى المخبر بمساعدة والدي, هذا أعطاني دافعاً للعمل بجد لأسدد "معروف" أبي، وأمي وإخوتي، وكثيراً ما راودني حلم السفر خارج حدود الوطن، لكني لا أستطيع الرحيل بسبب معاناتي المرضية التي تشعرني بالدوار "الدوخان" يعني أنا "بدوخ بالطيارة"، كما أنني لا أستطيع الابتعاد عن وطني، لأنني لو قررت تركه والرحيل عنه بعيداً، فإنه لن يتركني، فهو ساكن في داخلي».

محاطاً بأصدقائه

بعيداً عن الموسيقا، فإنه من منطقة تهوى الكتاب، والمطالعة زاد الأشقياء الباحثين عن المعرفة، وها هو يتحدث عن هواياته، فيقول: «هواياتي كثيرة، أولها قراءة الكتب بمختلف المجالات، خاصة منها الفلسفية، ومنذ فترة قصيرة أنهيت قراءتي لكتاب "بيير داكو"، "الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث"، وقبله كنت قد قرأت كتاب "سيكولوجيا الإنسان المقهور" فهذه الكتب تساعدني كثيراً في تفسير الحالات التي كنت أمرّ بها، إلى جانب القدرة على تحليلي لشخصية أصدقائي المقربين بقصد التقرب منهم».

ويعود إلى الموسيقا، وتحديداً منها الأغاني الحزينة، وهنا يقول: « أحب سماع الأغاني العراقية، والعزف على آلة العود، والربابة التي تعلمتها من والدي».

لكنه يحلم بأن يمتلك جسماً معافى كي يمارس الرياضة، وهنا يقول: «ظروف مرضي لم تسمح لي بممارسة الرياضة، لذا كنت عاشقاً ولهاً لما يسمى مسرحاً، فقد كتبت عدة مسرحيات عرضت في المجلس الإسماعيلي في البلدة منها: "عِشرة المدرسة"، و "هَي هيي ضيعتنا"، و"ثورة الأمل"».

ومن يود الكتابة لا بد وأن يقرأ لكتاب كثر، وفي المسرح خصوصاً وجد نفسه منقاداً لمعانقة ما كتبه "سعد الله ونوس" ويتابع قائلاً: «ولا أنسى المبدع "محمد الماغوط"، وكنت من المتابعين للعروض المسرحية، تابعت أعمال "همام حوت" والمبدع "زياد الرحباني"، لكنني لم أتقمص أحداً منهم، فكل امرئ أسلوبه الذي يميزه، ولا أدعي أنني أفوقهم، ولكني على قناعة تامة بما أقوم به من فعل أدبي، فلي طريقتي الخاصة في إيصال الفكرة للجمهور بأسلوب ساخر، مع احترامي لجميع كتاب المسرح فهم مدارس بحد ذاتها».

توقف الشهيق، وزفر "علي العرنجي" آخر نفسٍ في هذه الدنيا، بكاه الأهل، وكذلك الأصدقاء، ورُكنت الربابة خلف الباب، ولسان حالها يقول: «يا صاح دمعي بلغ روس الجبال وسكب». لكن للأصدقاء ما يقولونه في فتى السخرية، وعاشق الربابة.

صديقه "تمام قاسم" قال فيه: «بقدر ما نصعد عالياً، نبدو صغاراً لهؤلاء الذين لايستطيعون الطيران».

أما "علي المسلخ" فيقول: «نحتاج الفن حتى لا تميتنا الحقيقة، هكذا نظر"علي" إلى الفن نظرةََََ َعاشق ٍمتمرد».

فيما تحدث "كرم قاسم" قائلاً: «إن مسرح "علي" فيه مزيج جميل من الحزن، يعبر عنه بطريقة كوميدية».

وها هو "عروة حويجة" يرى أن: « "علي" فنان ناقد، وساخر بالفطرة لكل ما حوله».

أما الأستاذ "إسماعيل خليل" فيقول في الراحل "علي العرنجي": «عنده القدرة على التعبير حيث أنه يقوم بإيصال الفكرة إلى الآخرين كلٌ حسب فهمه وثقافته, مثيراً الحس النقدي تجاه الكثير من المواضيع التي يطرحها برحابة صدره المعهودة».

فيما صديقه "بشار رزوق" يقول: «حتى بعد فتحه لمخبر "التعويضات السنية" ظل يمارس هواياته، ويتابع قراءة كتب الفلسفة».

أما "نزيه الكوكبي" فقال فيه: «سماعه للأغاني العراقية، ومتابعته للمسرح جعلا منه رجلاً ملماً بما حوله».

ولكن قبل طي الصفحة الأخيرة من هذا اللقاء نعود قليلاً إلى ما قبل الرحيل، وتحديداً يوم التقاه eSyria حيث أنهى حديثه بابتسامة جافة فيها قلق وحذر، لكنه لم ينس أن يقول: «صحيح أنني أشعر بالدوار عند ركوب الطائرة، لكنني أعشق السفر..... وداعاً»..

وللأسف انتقل "علي" إلى رحمة الله تعالى بعد هذا اللقاء بأيام قليلة إثر مرضه الذي عانى منه طيلة فترة حياته