لم أقرأ للشاعر المصري عزت الطيري من قبل، لذلك كان مفاجأة بالنسبة لي في مهرجان الشعر العربي الرابع، الذي أقيم في الرقة بين 7-10/4/2008.

قد يشترك الطيري مع آخرين، في ما يسميه بعضهم بـ«القصيدة الأحجية».. لكن تظل له خصوصيته، ولعل احتجاجه على سؤالي الأخير خاصة، يعود إلى اعتقاده بأنني أنتقص من شعرية قصيدته، وهذا ليس كل ما يتضمنه السؤال، فالملاحم الشعرية هي سردية، وهي درامية المحتوى...

لتقينا الشاعر الطيري، على هامش مهرجان الشعر العربي الرابع في الرقة، فكان لنا هذا الحوار معه لموقع eraqqa

  • في قصائدك شيء جديد، سببه الظرافة أو المفارقة، تكاد القصيدة تشبه النكتة أحياناً؟!...
  • ** نعم أنا أزعم ذلك، أزعم أنني أقدم شيئاً جديداً خاصاً بي، وقد كتب عنه الكثير من النقاد قائلين: إن عزت الطيري شاعر متفرد، وقال الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين: إن عزت لا يشبه إلا نفسهْ، لشعره خصوصية جميلة تميزه عن كل الشعراء، وهذا ليس سهلاً على الإطلاق، وقد وصلت إلى تلك الخصوصية بعد معاناة طويلة في الكتابة، ولم تأتِ عفو الخاطر أو بمحض المصادفة.

    إن قصيدة عزت الطيري لا تختلف عن عزت الطيري الإنسان، فأنا بطبعي أميل إلى المرح، فكيف أفصل قصيدتي عن شخصيتي؟!.. ولكن لا أوافقك على أنها تشبه النكتة أحياناً، ربما لاحظت أنت ذلك من قصيدة واحدة مثلاً، وليس معنى ذلك أن كل عزت الطيري هو كذلك.

    «لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها»..

    * هل سبقت إلى هذا؟!..

    ** بالطبع لا ينشأ الشاعر من فراغ، ولا يصل إلى ما وصل إليه من تفرد ونبوغ وخصوصية بمفرده، فالثقافة مهمة جداً للشاعر، ولا شك أن الشعر العراقي الحديث برموزه ومؤسسيه، لعب دوراً هاماً في إدخالي إلى هذا العالم، عالم القصيدة.. ولكنني لم أقف أمامه طويلاً، بل تجاوزته حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وهناك شعراء كثيرون في الوطن العربي يكتبون ما أكتبه، ولكنهم يقدمونه بعيداً عن الفن الشعري، يقدمونه بمباشرة وسهولة ولغة ركيكة، تصل إلى حد التدني، من أجل الحصول على تصفيق الجماهير العادية غير المثقفة، مثل أحمد مطر مثلاً.. أو ربما مواهبهم لا تؤهلهم إلى أكثر من ذلك.. و«لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها»

    «القصقصيدة»

  • قصائدك القصيرة «جداً», تكاد تكون قصصاً قصيرة «جداً».. فأين نصنفها؟!...
  • ** كما قلت لك في سؤالك السابق، إن ما ألقيته في المهرجان لا ينطبق على شعري الذي امتد وتنامى وتطور طوال ربع قرن، قدمت خلاله أكثر من 16 مجموعة شعرية، فديواني الأخير مثلاً «سيدة التفاح» احتوى على أربع قصائد طويلة جداً جداً، وأنا في قصائدي أحاول أن أقدم فيها كل الفنون، فتجد فيها القصة القصيرة، وتجد الفن التشكيلي، وتجد الموسيقى، وتجد الكونشرتو الشعري.. وأنا أحاول أن أعيد صياغة الموسيقى لتصبح خاصة، ولكن ما المانع أن تكون القصيدة قصة؟!.. وأنا أصنف هذا النوع من القصائد القصيرة باسم «القصقصيدة» وأعتقد أن القصيدة القصيرة جداً من أصعب أنواع القصائد، ولابد من أن يكون كاتبها على درجة عالية من الموهبة، متسلحاً بأدوات استثنائية لا توجد في غيره من الشعراء، وأزعم أنني بقصائدي هذه خططت طريقاً جديداً مشى عليه العديد من الشعراء بعدي!!..

  • ألا تخسر اللغة الشعرية، وتتعلق بأهداب السرد؟!.. ألا تخسر الشعر لصالح فن آخر؟!...
  • ** غيرك يرى ذلك في دواويني الكثيرة، ويقولون إن عزت الطيري يحاول الوصول باللغة إلى أقصى درجاتها ومعطياتها، ويقولون إن عزت الطيري «لاعب أكروبات» لغوي ماهر جداً، وأنه يقف خارج السرب، بل إن أحدهم قال عزت الطيري هو سرب بمفرده... فلا تخش يا سيدي من خسارة اللغة الشعرية عندي، وقصيدة أو حتى مجموعة قصائد قصيرة لن تصل بي إلى ما تخشاه، ولكن أحياناً يكون السرد مطلوباً للتخلص من جمود القصيدة، أو من استاتيكيتها، بل يبعث فيها ديناميكية مؤثرة وفاعلة، والشاعر الجيد المراوغ الذي يقف على أرض صلبة، لا يخسر خسارة فادحة، أو حتى خسارة قليلة، لأنه يحسب حساباته جيداً.

  • أتحاول أن تستعيد نوعاً سردياً عربياً هو النوادر؟!....
  • ** هذا سؤال ظالم وقاسٍ جداً لي، فلم يخطر ببالي أن أقدم ما دار في خاطرك وفي ذهنك، وأقول لك للمرة الأخيرة: إنك تبني أسئلتك على ما سمعت، أو على القليل جداً مما سمعت، لقد ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين قصيدة قصيرة، ونزلت من على المنصة، وأنا مطلوب ومرغوب، واستعادني الناس كثيراً، ولكني رفضت، لأنني أزعم أنه خير للشاعر أن يغادر القاعة، وهو مطلوب وبشدة من الناس التي شدتها قصائدي، ورأت فيها شيئاً مختلفاً وجديداً، من أن يكون ممجوجاً وعبئاً ثقيلاً على صدورهم ليتنفسوا بنزوله من على المنصة الصعداء. وأنا أحاول أن أخلق حالة من الدهشة في القصيدة، وأن أجعلها - أي القصيدة - مقطرة مكثفة خالية من النتوءات والزوائد والعكاكيز، ولي الحق ـ كمبدع ـ أن أستخدم كل الطرق والحيل والألاعيب والأعاجيب والتقنيات، والمزج بين لغة الشعر ولغة المسرح، ولغة الإنشاد وفن الإلقاء، من أجل الوصول بقصيدتي إلى القمة.. وفي كل المهرجانات العربية دائماً ما يدخرونني للنهاية، حتى لا أجور، ولا أجني على الذين سيأتون من بعدي.