يطلق مفهوم الصناعات الإبداعية على النمط من النشاط الاقتصادي الذي يقوم على استغلال الأصول الإبداعية التي يمكن أن تولد النمو الاقتصادي وتقود إلى التنمية الاقتصادية، سواءً في التراث، الفنون، أو وسائل الإعلام، أو الإبداعات الوظيفية.

اتقان الإبداع

التعريف بمفهوم الصناعات الإبداعية وأهميتها ودورها في دعم الاقتصاد الوطني كان موضوع بحث في مؤتمر الصناعات الإبداعية الذي استمر على مدار يومين لأول مرة في "سورية".

الصناعات الإبداعية هي أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الاقتصاد الحديث القائم على التكنولوجيا والعلم والتعليم

وحول الربط بين الصناعات الإبداعية والبحث العلمي يرى د. "مجد الجمالي" رئيس الهيئة العليا للبحث العلمي أن البحث العلمي هو حالة إبداعية وأي مقال بحثي لا ينشر من دون إبداع أي فكرة جديدة، والذي يشمل العديد من المجالات كما يشملها البحث العلمي/ التنموية، الاجتماعية، الطبية، الثقافية.

د."مجد الجمالي" رئيس الهيئة العليا للبحث العلمي

ومن خلال متابعته لتجارب عدة دول وتعاملها مع الصناعات الإبداعية يرى د. "جمالي" أن الصناعات الإبداعية بحاجة إلى التأهيل والتدريب بدءاً من الصف المدرسي إلى الجامعي، لأن هناك حالات إبداع كثيرة للشباب السوري، لكن الهدف أن يتقنوا الإبداع مما يحتاج إلى الاحتضان ودعم برأسمال وترويج وتسويق للحالات الإبداعية.

الصناعة الإبداعية

في حديثها لوسائل الإعلام تقول د. "لبانة مشوح" وزيرة الثقافة: «الإبداع هو إبداع فكري وبالتالي يحتاج إلى منظومة متكاملة ليتحول إلى صناعة تمر بعدد من المراحل ليصبح رافداً من روافد التنمية المستدامة والاقتصاد الوطني، وفي العالم أجمع اقتصاديات تقوم على الإبداع البشري المؤطر بالعلم والمعرفة وإدراك احتياجاته وخلق البيئة المناسبة ونسعى لإيضاح مفهوم الصناعات الإبداعية ومتطلباتها كتأمين البيئة التشريعية، التدريب والتأهيل، الاستفادة من تجارب عدة نماذج منها "الهند"، "سنغافورة"، انطلاقاً من ضرورة التعرف على أدواتها ووسائلها وحسن استخدامها».

الإعلامي "زياد غصن" من المحاضرين

الإبداع الفنّيّ

من فعاليات اليوم الثاني

تشكل الفنون سواءً التشكيلية أو أنواع الفنون الأخرى أحد مجالات الصناعات الإبداعية التي لا بد من الاستثمار فيها للبحث عن طرق وبدائل جديدة، حسب التشكيلي "وسيم عبد الحميد" مدير الفنون الجميلة في وزارة الثقافة وأحد الحضور، الذي يرى أن مؤتمر الصناعات الإبداعية يشكل خطوة مهمة قديمة جديدة، فالاهتمام بالإبداع الفكري والعقلي السوري أمر ضروري ويجب الاستثمار به للمساهمة في تطور الاقتصاد الوطني.

ترسيخ المفهوم

من جهته "إياد مرشد" مدير عام مكتبة الأسد يعرّف لنا مفهوم الصناعات الإبداعية بقوله: «هي مفهوم بدأ عام 1994 وهو يتناسب مع واقع التطور الاقتصادي والتكنولوجي وظهور الإعلام التفاعلي وأهمية الإبداع كمؤثر حقيقي في الاقتصاد وتطوير البنى الاقتصادية، تعتمد الصناعات الإبداعية على الإبداع، المهارات والموهبة الفردية وتحويلها إلى قدرة تتطور لتحقيق مكاسب مادية تستغل الملكية الفكرية بشكل إيجابي لصالح المبدعين والمجتمع».

وبين "مرشد" أهمية الصناعات الإبداعية من حيث الدخل القومي، نسب التوظيف العالية، وضرورة استقطاب الكفاءات في مجالات الفنون، الثقافة وكافة مجالات الإبداع، وبين أن الصناعات الثقافية هي جزء من الصناعات الإبداعية وتشمل الدعاية، الإعلان، التخطيط العمراني، تصميم الأزياء، وإذا استطعنا أن نعطي المبدعين كل الاهتمام نكون قادرين على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد السوري.

الإبداع الموسيقيّ

فيما يتعلق بالصناعة الإبداعية الموسيقية يرى المايسترو "ميساك باغبودريان" أنه في "سورية" يتم العمل على موضوع صناعة المبدع بشكل فطري غير ممنهج وأن موضوع الصناعات الإبداعية يتطلب عدة عوامل منها الموارد البشرية، المواد أولية، الآلات، الترويج، التقييم، المستهلك، المنتج النهائي، ولا يكفي أن يكون لدينا مبدعون بل يجب أن يكون لدينا خطة لتأهيلهم من كافة الجوانب ولا يكفي تأهيل الموسيقيين بل علينا تعليمهم مبادئ أخرى يحتاجونها في حياتهم العملية والشخصية للترويج لأنفسهم أو لمنتجهم الموسيقي.

وحسب المايسترو "باغبودريان" يحتاج المؤلف الموسيقي إلى بيئة مناسبة تؤمن له دخلاً مادياً، لضمان استمرارية عملية الصناعة الإبداعية، كما نحتاج إلى نقاد موسيقيين يساعدون على تحسين المستوى الفني.

غياب البيانات

أوضح الإعلامي "زياد غصن" أن هذه الصناعات تتميز محلياً بأنها تعتمد في جزء كبير منها على الجهد الفردي، حيث يعتبر القطاعان الخاص والأهلي المحرك الأساسي لها، في حين تعتبر الحكومات الميسر والمسهل والمنظم لها، كما لا توجد بيانات رسمية أو غير رسمية ترصد واقع وعمل أي جانب من الصناعات الإبداعية في "سورية" لاسيما على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكلية.

وقدم "غصن" خلال مداخلة له إحصائية حول الدورة الاقتصادية وفق تعداد المنشآت الاقتصادية والاجتماعية لعام 2019 و2020، موضحاً فيها تداعيات الحرب على التنمية المحلية.

مشروع وطنيّ

استغرق التحضير للمؤتمر مدة عامين بالتعاون بين وزارة الثقافة والهيئة العليا للبحث العلمي والجامعة الافتراضية السورية؛ وحول ضرورته يقول د. "خليل عجمي" رئيس الجامعة الافتراضية السورية: «الصناعات الإبداعية هي أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الاقتصاد الحديث القائم على التكنولوجيا والعلم والتعليم»، ويؤكد ضرورة خلق هذه الصناعة ضمن مشروع وطني متكامل يأخذ بعين الاعتبار بيئة تشريعية، تمكينية تحتية وتقانية، إضافةً إلى مستوى تعليم وأنماط تعليمية معينة.

ويؤكد د. "عجمي" أهمية تعديل الأنظمة والقوانين الحالية لتحقيق مساهمة القطاعين العام والخاص من خلال صناديق تمويل الابتكار وفق مسار معين يساعد على إيجاد شركات ناشئة لتأمين رؤوس أموال تحتضن المبدعين وتسمح بتسويق وتنظيم إنتاجهم وتشكيل العلامات التجارية المناسبة لهم، وأنها عملية صناعة متكاملة يمكن تحقيقها على عدة مستويات في الإعلام، الثقافة، الموسيقا، المعلوماتية.

توصيّات

شارك بالمؤتمر عدة باحثين بشكل شخصي وآخرون تم التواصل معهم عبر الشابكة كالدكتورة "مانيا سويد" ود."ناتاليا عطفة"، ونتج عنه عدة توصيات منها:

-إطلاق برنامج وطني لدعم الصناعات الإبداعية مع وضع استراتيجية وطنية لتنشيطها من خلال العمل على توطين مفهوم الصناعات الإبداعية.

-تأكيد ضرورة التكامل بين الجهات المولدة للمعرفة والجهات المستثمرة.

-إحداث صناديق دعم وصناديق استثمار خاصة بالصناعات الإبداعية وتأمين حاضنات للحرف الإبداعية والعمل على تطوير البيئة التشريعية الداعمة لهذه الصناعات وصولاً إلى تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

نشير إلى أن مؤتمر الصناعات الإبداعية أقيم في مكتبة الأسد بتاريخ 14 و15 كانون الأول 2022.