من ينظر إلى لوحات الفنان التشكيلي "ميشيل كرشة" سينبهر بالمتعة البصرية التي جسد فيها ببراعة وحب خصوصية الجمال والحضارة للعمارة الدينية والمدنية السورية.

مدونة وطن "eSyria" التقت الفنان والناقد التشكيلي "غازي عانا" بتاريخ 20آذار 2014، فتحدث عنه بالقول: «ولد في السنة الأخيرة من القرن التاسع عشر، وعاش حياته بمزاج الفنان المتمرّد، المجتهد الطموح، بدأ الرسم في سن مبكّرة تلميذاً موهوباً وهاوياً في المدرسة البطريركية بـ"دمشق" عام 1914، وتوّج هذه المرحلة من الهواية بعمل بورتريه لوالده في عام 1916، حيث شكّلت تلك اللوحة انطلاقة مشواره الفني الذي بدأه بالواقعية متأثّراً ومندهشاً بعمل المعلمين الكبار وفناني عصر النهضة، ولم ينقطع ذلك الإنتاج حتى رحيله المفاجئ وهو يعمل على تجهيز مجموعة كبيرة من أعماله لعرضها في متحف "المتربوليتان" بنيويورك في أميركا عام 1973، وهو تاريخ توقيع آخر لوحة رسمها بعنوان "أزهار الختمية" التي اختزل فيها كل معارفه التي اكتسبها أوتعلّمها، إضافة إلى الخبرات التي تراكمت بالممارسة خلال خمسة عقود عمر تجربته الفنية».

تحوّل بيته إلى متحف لأعماله وصور بالأسود والأبيض له وللعائلة والأصدقاء، وهي توثّق لأكثر من مناسبة ومعرض، وكل لوحة تخفي وراءها حكاية أو سيرة يمكننا الاستمتاع بسماعها

عن بداياته مع الفن يقول: «كانت بداية تجربة الفنان "كرشة" شاقة ومضنية، إذ تعرّض لمتاعب جمّة سببتها رسومه المباشرة للأحياء الشعبية في "دمشق" وأزقتها الضيّقة، هذا إضافة إلى طريقته في معالجة لوحاته التي أثارت عليه نقمة الفنانين التقليديين الذين أبقوا على رؤيتهم للفن على أنه تسجيل دقيق للأشكال وبناء مثالي للوحة، وتميزت أعماله بغنى موضوعاتها التي خَصّ الطبيعة بحيّز كبير منها، حيث بدت فيها المشاهد رصينة وتكويناتها محكمة بدءاً من جماليات الإضاءة التي كانت بمفهومه تعني الإيقاع في اللوحة، فتُباعد بين العناصر، وتتحكم بأهمية حضور كل منها حتى لا تستطيع أن تميّز بين اللون والضوء في المربع الذي يزدحم بالمفردات والتفاصيل المشغولة برغبة العارف بأهميتها وضرورتها بل وبمكان توظيفها أو حتى إهمالها إذا اقتضت الحاجة في المشهد لذلك، معوّضاً عنها بتأثيرات أدواته وهي تترك شغباً وعبثاً جميلاً على السطح الذي يفيض بالحيوية والحركة المتجدّدة بتجدّد الضوء في كل مرة بشكل مختلف من المتعة والاحتفاء تبعاً للمكان والزمان».

أحد أعماله.

ثم تابع: «كان أول سوري درس الفن "تصوير، حفر، طباعة" في أكاديمية الفنون الجميلة بباريس بين الأعوام 1919-1925، وهو يعتبر اليوم من روّاد الانطباعية في "سورية"، صوّر المناظر الطبيعية والأحياء الدمشقية، والطبيعة الصامتة كما اهتمّ برسم الوجوه والشخصيات، ومن أبرز تلك اللوحات: وجه للسيد رئيس الجمهورية السورية "هاشم الأتاسي" كان رسمها لغلاف مجلة الإذاعة السورية العدد الرابع عشر عام 1954، هذا إضافة إلى اشتغاله على موضوعات متعدّدة منها القومية والاجتماعية، وأيضاً عُرف كمصمّم ورسّام طوابع بريدية بين الأعوام 1925-1950، كان حصل من خلال تلك التصاميم على جوائز مهمة، كما تأثـَّر بتجربته عدد من الفنانين الشباب في ذلك الحين. لقد اعتُبر في وقته أول خارج عن قانون الفن السوري، وقالوا عنه إنه صاحب بدعة، بينما هو حقيقة كان يعتبر من المبدعين الجادين والمجدّدين في المشهد التشكيلي السوري آنذاك وبما لا يقبل الشكّ، والأهم برأيي في شخصية هذا الفنان ثقافته وسعة اطلاعه، وصراحته في إبداء رأيه بأعمال الفنانين في المعارض التي بدأت تقام في بعض المناسبات والأماكن، كما كان واضحاً ومقنعاً عند الدفاع عن أعماله».

وبالنسبة إلى المعارض التي أقامها أضاف: «شارك في العديد من المعارض كان أولها عام 1962 معرض الفنانين "توفيق طارق، عبد الوهاب أبي السعود، سعيد تحسين"، 1950 "فن التصوير السوري" في مكتب المعلومات الأميركي بـ"سورية"، 1954 "المتحف الوطني" في قصر الحير بـ"دمشق"، 1958 معرض "الرسوم الزيتية للجمعية السورية للفنون"، معرض مشترك مع المصورين "عبد العزيز نشواتي، ونصير شورى"، 1963 شارك في معرض "الطوابع السنوي"، وأقام العديد من المعارض منها: في صالة "الصيوان" بدمشق 1962، معرض بباريس 1964، وفي المركز الثقافي العربي بدمشق 1967، في العام 1968 أقام معرضاً في "بيروت" للموسيقا والرسم ، ومعارض بمعهد اللاييك، جودت الهاشمي، ومعرض الجلاء في نقابة المعلمين 1970».

من أعماله.

وتابع: «حصل على العديد من الجوائز منها: الجائزة الأولى بمعرض فلوريدا الدولي "مسابقة للطوابع"، وسام الاستحقاق السوري، ونال ميدالية في البينالي الثالث بالاسكندرية لدول البحر المتوسط 1959، ووسام وزارة الثقافة بالإقليم الشمالي السوري الجمهورية العربية المتحدة 1960».

وعن مشاركاته وأهم مؤلفاته قال: «شارك في التأسيس للحداثة في الفن التشكيلي بـ"سورية"، وساهم في تأسيس الجمعيات والمنتديات الفنية التي كانت منذ أربعينيات القرن الماضي، والتي كانت تضم الشباب المتحمس والأصدقاء المثقفين، وكانت مثل مراكز لتعاطي الفن وإقامة المعارض والندوات، مثل: "دار الموسيقا الوطنية" في "الصالحية" بدمشق، التي تحولت في الأربعينيات إلى "النادي الأهلي الرياضي" حيث خرج منه تجمع عفوي للفنون، ثم تلاها "الجمعية السورية للفنون" في "أبي رمانة" والجمعية السورية للرسم والنحت في "الشعلان"، وذلك في فترة الأربعينيات والستينيات من القرن العشرين، كما ترك كتابات حول الفن منها محاضرة بعنوان "كيف نفهم الفن"».

من لوحاته

عاش بدمشق في منطقة "عين الكرش"، وعن ذلك قال: «تحوّل بيته إلى متحف لأعماله وصور بالأسود والأبيض له وللعائلة والأصدقاء، وهي توثّق لأكثر من مناسبة ومعرض، وكل لوحة تخفي وراءها حكاية أو سيرة يمكننا الاستمتاع بسماعها».

الفنان التشكيلي "إلياس زيات" قال عنه: «أرى أن الفنان "كرشة" كان واحداً من أبرز هؤلاء الذين تركوا بصمة في تاريخ الحركة التشكيلية من حيث التميّز والانحياز إلى ضرورة الاهتمام بالضوء واللون السوريين في اللوحة، وهو الفنان الذي حقّق حضوراً مدهشاً يومها من خلال تأسيسه لبداية انطباعية سورية تحمل بعض الخصائص المميّزة، ومؤصلاً لفن سوري مستفيداً من اتجاهات الحداثة السائدة في أوروبا، ومستلهماً الأصالة من الموروث البصري للحضارة العربية والسورية».

كتبت عن تجربته العديد من الصحف والمجلات الفرنسية والسورية، وكان معرضه الاستعادي عام 2006 مناسبة لإعادة التذكير بهذه التجربة المميّزة والمهمة في مسيرة الحركة التشكيلية السورية وإلى اليوم.

  • يذكر أن الفنان التشكيلي "ميشيل كرشة" توفي في نيويورك 1973، حيث قضى أكثر من خمسين عاماً بين الهواية والتعلم، وبين الرسم والاحتراف، داخل وطنه "سورية"، أو في أي مكان من العالم زاره أوعاش فيه، مخلفاً كنزاً من اللوحات الرائعة التي تجاوزت الألف لوحة موزعة في العديد من المتاحف العالمية في "سورية ولبنان وإنكلترا وفرنسا وأميركا وبلغاريا ورومانيا وروسيا"، فضلاً عن المتحف الوطني بـ"دمشق"، والقصر الجمهوري وقصر الضيافة ووزارة الثقافة، ومجموعات خاصة لدى الأفراد، له خمسة أولاد: "ديمتري، سامي، فؤاد، فادي، فريدي"؛ جميعهم فنانون عدا "فادي".