في سوريا، لا يُختزل عيد الأضحى بوصفه مناسبة دينية فحسب، بل يُعدّ جزءًا راسخًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمع.

فهو يرتبط بصوت التكبيرات، وزيارة القبور، ورائحة المعمول، وازدحام الأسواق، ولقاءات الأقارب، وملابس الأطفال الجديدة، إلى جانب تفاصيل البيوت التي كانت تستعد لهذه المناسبة قبل أسابيع طويلة.

ورغم أن جوهر العيد بقي حاضرًا في الوجدان العام، فإن السنوات الأخيرة حملت تحولات واضحة في ملامحه، بفعل الأزمات الاقتصادية والحرب والنزوح، التي أعادت تشكيل تفاصيله اليومية.

أسواق العيد

وفي هذا السياق، يقول الباحث الاجتماعي والتراثي الأستاذ "محمد فياض الفياض" لمدونة وطن:"إن الطقوس لم تختفِ، لكنها باتت تُمارس بإمكانات وميزانيات أكثر محدودية، لتبقى العبارة الأكثر تداولًا مع كل موسم عيد: العادات نفسها… لكن بميزانيات مختلفة".

زيارة القبور… طقس ثابت رغم التحولات

زيارة القبور طقس ثابت رغم التحولات

رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على ملامح عيد الأضحى في سوريا، ما تزال زيارة القبور واحدة من أكثر الطقوس حضورًا لدى السوريين، خصوصًا في صباح العيد أو في الليلة التي تسبقه.

فمع أولى ساعات العيد، تتجه عائلات كثيرة إلى المقابر لقراءة الفاتحة والدعاء واستحضار ذكرى الأحبة الغائبين، في مشهد بقي ثابتًا رغم تغير الظروف.

الأضاحي بين القدرة المادية وروح التكافل

ويقول السيد "أبو طلال" الموظف في أحد مقابر مدينة دمشق، لمدونة وطن: "العائلات ما تزال تحرص على زيارة قبور الأقارب وقراءة الفاتحة والدعاء، باعتبارها جزءًا من الذاكرة العائلية والروحية للعيد، إلا أن الحرب والنزوح أضافا بُعدًا أكثر ألمًا لهذا الطقس، بعدما أصبحت المقابر تضم أعدادًا كبيرة من ضحايا الحرب، أو بات كثير من السوريين عاجزين عن الوصول إلى قبور ذويهم بسبب التهجير والسفر.

وبالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد زيارة القبور مجرد عادة اجتماعية مرتبطة بالعيد، بل تحولت إلى لحظة مثقلة بالحنين واستحضار الفقد، في ظل غياب أفراد من العائلة بسبب الموت أو النزوح أو الهجرة، لتصبح المقابر في العيد مساحة تختلط فيها الدعوات بذاكرة الغائبين".

صلاةُ العيد… حضورٌ دينيٌّ يتجاوز الأزمات

ما تزال صلاة العيد تحتفظ بمكانتها بوصفها أحد أكثر الطقوس ثباتًا وحضورًا في الوجدان الشعبي، فمع ساعات الفجر الأولى، تمتلئ المساجد والساحات بالمصلين، فيما تتردد التكبيرات في الأحياء كإعلان جماعي بأن العيد ما يزال قادرًا على الحضور رغم كل شيء.

ويقول "أبو ماجد"، أحد المصلين الدائمين في جامع "لالا باشا"، لمدونة وطن: "مهما تغيّرت الظروف تبقى صلاة العيد مختلفة عن أي مناسبة أخرى،فحين نسمع التكبيرات ونرى الناس تتوافد إلى المساجد نشعر أن للعيد هيبته وفرحته التي لم تختفِ، قد لا نملك القدرة على الاحتفال كما في السابق، لكننا نتمسك بهذه اللحظات لأنها تمنحنا شعورًا بالأمل والطمأنينة".

ويضيف:"أن كثيرًا من مظاهر العيد تبدّلت خلال السنوات الماضية بفعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن صلاة العيد بقيت بالنسبة للسوريين مساحة روحية وجماعية تستعيد معنى العيد الحقيقي، وتمنح الناس لحظة نادرة من التماسك الاجتماعي والشعور بالمشاركة، في مواجهة ضغوط الحياة اليومية وتحدياتها المتواصلة".

الأضاحي… بين القدرة المادية وروح التكافل

لطالما شكّلت الأضحية أحد أبرز ملامح عيد الأضحى في سوريا، بوصفها شعيرة دينية ارتبطت بمعاني العطاء والتكافل الاجتماعي، غير أن السنوات الأخيرة فرضت واقعًا مختلفًا على كثير من العائلات السورية، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواشي وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ويقول "عاصم خليف" أحد اللحّامين في مدينة دمشق، لمدونة وطن: "الظروف الاقتصادية دفعت كثيرًا من العائلات إلى إعادة النظر في طريقة إحياء هذه الشعيرة، فعدة أسر أصبحت اليوم تتشارك ثمن الذبيحة الواحدة، في محاولة للحفاظ على طقس العيد ضمن الإمكانيات المتاحة، رغم الغلاء وصعوبة الأوضاع المعيشية”.

من جهته، يشير الباحث "محمد فياض الفياض" إلى أن هذا التحول، يعكس قدرة السوريين على التكيّف مع واقعهم الاقتصادي، دون التخلي عن البعد الديني والاجتماعي المرتبط بعيد الأضحى، خاصة ما يتعلق بقيم التكافل ومساندة الأقارب والجيران والعائلات المحتاجة.

كما أن الأضحية مرتبطة بجوهر ديني قبل أن تكون عادة اجتماعية، فهي إحياء لسنة النبي إبراهيم عليه السلام، وتجسيد لمعاني الرحمة والتوسعة على المحتاجين، مضيفًا أن المشاركة الجماعية في الأضحية تُعد بادرة إيجابية حين تتم ضمن إطار شرعي واضح، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وفي المقابل، اضطرت بعض العائلات إلى الاستغناء عن الذبح بشكل كامل، أو الاكتفاء بتقديم مساعدات مالية وغذائية بسيطة، بعدما أصبحت متطلبات العيد تفوق قدرة شريحة واسعة من السوريين.

ورغم ذلك، ما تزال روح التكافل حاضرة بقوة، حتى وإن تبدّلت أشكالها ووسائل التعبير عنها.

"لمة العيد" بين الحنين والواقع

تقول السيدة "فلك محمد"، وهي أرملة وأم لأربعة أيتام، لمدونة وطن: "في الماضي، كانت "لمة العيد" تمتد لساعات طويلة، وتجمع العائلة الكبيرة والأقارب والجيران حول موائد الطعام والحلويات، فيما كانت الشوارع تمتلئ بالأطفال بملابسهم الجديدة وأصوات فرحتهم.

كان للعيد طعم مختلف، وكانت البيوت تعيش حالة من البهجة والاستعداد قبل أيام من حلوله”.

وتضيف: "اليوم تغيّرت هذه الصورة إلى حدّ كبير، فالزيارات أصبحت محدودة ومختصرة، وغالبًا ما تقتصر على الأقارب المقرّبين، بينما حلّت المكالمات الهاتفية ورسائل المعايدة مكان كثير من اللقاءات المباشرة، خاصة بعد تشتت العائلات السورية داخل البلاد وخارجها".

وتشير إلى أن الغلاء أثّر حتى على التفاصيل الصغيرة التي كانت تُعد جزءًا أساسيًا من فرحة العيد، مثل شراء الملابس الجديدة أو إعداد الحلويات المنزلية بكميات كبيرة، موضحة أن كثيرًا من العائلات باتت تلجأ إلى بدائل أقل تكلفة أو تكتفي بالحد الأدنى، في محاولة للحفاظ على أجواء العيد رغم ضغوط الحياة المعيشية.

الأطفال أيضًا… عيدٌ بملامح مختلفة

لم تكن طفولة العيد في سوريا بمنأى عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها السنوات الأخيرة، إذ تبدّلت الكثير من التفاصيل التي ارتبطت بذاكرة الأطفال وفرحتهم في مواسم الأعياد.

يقول الباحث "محمد فياض الفياض" لمدونة وطن: "إن طفولة العيد في سوريا لم تكن بعيدة عن هذه التحولات، فقد تراجعت الألعاب الشعبية التي كانت ترتبط بساحات الأحياء والأراجيح والتجمعات العفوية، لصالح الألعاب الإلكترونية وصالات الترفيه المغلقة".

ويشير إلى أن "العيدية"، التي كانت تُعد من أكثر طقوس العيد انتظارًا لدى الأطفال، شهدت تغيرًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت تتيح للصغار شراء الألعاب والحلويات والخروج في نزهات عائلية، لتصبح اليوم في كثير من الحالات ذات طابع رمزي، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

ومع الضغوط المعيشية المتزايدة، باتت كثير من العائلات تكتفي بمبالغ بسيطة، فيما اضطرت أخرى إلى تقليص "العيدية" أو الاستغناء عنها بالكامل، في ظل الأولويات اليومية الثقيلة.

ورغم ذلك، يحرص الأهالي على الحفاظ عليها ولو بشكل محدود، باعتبارها جزءًا من فرحة العيد وذاكرة الطفولة التي يتمسك بها السوريون رغم قسوة الظروف.

ويؤكد الفياض أن السوريين ما يزالون يحاولون صناعة بهجة الأطفال بوسائل بسيطة ومتاحة، إدراكًا منهم أن فرحة العيد ليست تفصيلًا عابرًا، بل مساحة نفسية ضرورية تمنح الأطفال شعورًا بالأمان والأمل وسط ضغوط الحياة اليومية.

الحوالات المالية… "عيدية"تصل من الغربة

في ظل التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت الحوالات المالية القادمة من السوريين في الخارج جزءًا أساسيًا من استعدادات كثير من العائلات لاستقبال العيد، بعدما باتت تشكّل مصدرًا رئيسيًا لتأمين احتياجات لم يعد الدخل المحلي قادرًا على تغطيتها.

وتقول "نيرمين سعد" الموظفة في إحدى شركات التحويل والصرافة، لمدونة وطن: "آلاف الأسر تنتظر مع كل موسم عيد وصول مبالغ مالية من أبنائها المغتربين، لتغطية احتياجات أساسية تبدأ من الملابس والحلويات، وصولًا إلى اللحوم ومستلزمات الزيارات العائلية".

وتوضح أن هذه الحوالات تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه "طوق نجاة موسمي"، يساعد العائلات على إحياء الحد الأدنى من طقوس العيد، في ظل تراجع القدرة الشرائية واستمرار الضغوط الاقتصادية.

لكن أهمية هذه الأموال، بحسب "نيرمين" لم تعد تقتصر على بعدها المادي فقط، بل اكتسبت قيمة معنوية وعاطفية كبيرة، إذ أصبحت تمثل رسالة حضور وامتداد للأسرة رغم المسافات، ووسيلة يحاول من خلالها المغتربون مشاركة عائلاتهم تفاصيل العيد ولو من بعيد.

ففي بلد فرّقت الحرب والهجرة أبناءه بين الداخل والخارج، باتت الحوالات تحمل أكثر من قيمة مالية، فهي بالنسبة لكثير من العائلات شكل من أشكال المشاركة الوجدانية، ومحاولة للحفاظ على دفء العيد وروابط العائلة، حتى وإن جاء جزء من فرحته عبر المال القادم من الغربة.

ثياب العيد… أمنية تثقلها الأسعار

كانت ملابس العيد الجديدة من أبرز الطقوس المرتبطة بفرحة الأطفال في سوريا، حيث اعتادت العائلات على شراء الثياب قبل أيام من العيد وسط ازدحام الأسواق وحماس الصغار لاختيار ألوانهم وتصاميمهم.

إلا أن هذا المشهد تغيّر خلال السنوات الأخيرة بفعل الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ويشير الباحث "محمد الفياض" إلى أن ارتفاع الأسعار غير المتناسب مع مستويات الدخل خلق حالة من الضغط والتشاؤم لدى كثير من العائلات، ما دفعها إلى تقليص مشترياتها أو الاستغناء عن عدد من مستلزمات العيد الأساسية، والاكتفاء ببدائل أقل كلفة تفرضها الظروف الاقتصادية.

وقد انعكس ذلك في سلوك الأسر التي باتت تشتري قطعة واحدة فقط للأطفال، أو تعيد استخدام ملابس الأعوام السابقة، فيما لجأت أخرى إلى الأسواق الشعبية والألبسة المستعملة كخيار اقتصادي بديل.

ورغم هذه التحولات، يحرص الأهالي على الحفاظ على هذا التقليد قدر الإمكان، إدراكًا منهم أن "ثياب العيد" ليست مجرد مظهر استهلاكي، بل جزء من بهجة الطفولة وذاكرة العيد التي يتمسك بها السوريون رغم تغير الظروف.

حلوى العيد… موائد أبسط ونكهة لا تغيب

يؤكد الباحث "محمد الفياض" أن جميع الطقوس مرتبطة بالحالة المادية، ومع تراجع القدرة الشرائية تتقلص العديد من المظاهر الاحتفالية، ولا سيما تلك المرتبطة بالراحة المعيشية، مشيرًا إلى أن أبسط الأمثلة على ذلك هو "حلوى العيد" التي كانت لسنوات طويلة جزءًا أصيلًا من طقوس السوريين.

فقد ارتبطت الأعياد في سوريا تقليديًا بروائح المعمول والكعك والحلويات المنزلية التي كانت تملأ البيوت والأسواق قبل أيام من حلول العيد، في مشهد اجتماعي يعكس الفرح والكرم ولمّة العائلة.

إلا أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية، مثل السمن والفستق والجوز والسكر، انعكس بشكل مباشر على هذه العادة، وأدى إلى تغيير شكل "حلو العيد" لدى شريحة واسعة من العائلات.

فبعد أن كانت بعض الأسر تُحضّر كميات كبيرة من الحلويات وتوزعها على الأقارب والضيوف، باتت اليوم تكتفي بكميات محدودة أو بأنواع أقل تكلفة، فيما اتجهت عائلات أخرى إلى شراء أصناف شعبية بسيطة بدلًا من الحلويات الفاخرة التي أصبحت تفوق قدرتها الشرائية.

ورغم هذه التحولات، ما تزال الحلوى تحتفظ برمزيتها الخاصة في العيد، إذ يحرص السوريون على وجودها ولو بشكل بسيط، باعتبارها جزءًا من طقوس الضيافة وذاكرة الفرح الجماعي التي لم تغب رغم تغيّر الظروف.

المعايدات الإلكترونية… شاشات تجمع ما فرّقته المسافات

شهدت طقوس المعايدة في سوريا تغيرًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت الزيارات العائلية والجولات بين الأقارب والجيران تمثل أحد أبرز ملامح العيد الاجتماعية وأكثرها دفئًا وحضورًا.

يقول الصحفي المغترب "زهير النعمة" لمدونة وطن: "مع الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف التنقل، إضافة إلى تشتت العائلات بسبب الحرب والنزوح والهجرة، بدأت المعايدات الإلكترونية تحل تدريجيًا مكان اللقاءات المباشرة التي كانت تميز العيد السوري".

ويضيف: "أن الهواتف المحمولة وتطبيقات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الوسيلة الأكثر استخدامًا لتبادل التهاني، سواء عبر الرسائل النصية أو المكالمات الصوتية ومقاطع الفيديو، في محاولة للحفاظ على صلة القربى وتجاوز المسافات التي فرضتها الظروف.

ورغم أن هذه الوسائل خففت من أعباء التنقل والتكاليف، فإنها غيّرت في الوقت نفسه من طبيعة "لمة العيد" التقليدية، التي كانت تقوم على اللقاء المباشر وتبادل الضيافة والأحاديث العائلية الطويلة".

وبين إشعارات الهواتف وشاشات التطبيقات، بات العيد بالنسبة لكثير من السوريين يُعاش افتراضيًا أكثر مما يُعاش داخل البيوت، في مشهد يعكس كيف غيّرت الحرب والظروف الاقتصادية حتى أبسط التفاصيل الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة.

تتبدّل الأيام… ويبقى العيد ذاكرةً لا تغيب

ورغم كل التحولات التي فرضتها الحرب والأزمات الاقتصادية على تفاصيل الحياة اليومية، ما يزال عيد الأضحى يحتفظ بجوهره الديني والإنساني في وجدان السوريين.

فالتكبيرات ما تزال تتردد في الأحياء، وصلاة العيد ما تزال تجمع الناس تحت سقف واحد، والزيارات وإن تقلّصت لم تختفِ تمامًا، بل أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع واقعٍ أثقلته الظروف.

فبين عيد الأمس وعيد اليوم، يبقى المشهد السوري محمّلًا بالكثير من الحنين، لكنه أيضًا مفعم بإصرار الناس على الحفاظ على معنى العيد، ولو بوسائل أبسط وإمكانات أقل.