في مدينةٍ لطالما ارتبط اسمها بالحكاية، وبالقدرة على تحويل الألم إلى نصّ، والذاكرة إلى فعل ثقافي، بدا انعقاد "ملتقى القصّة والحكاية" في مدينة حمص حدثاً يتجاوز طابعه التنظيمي، ليحمل دلالة أعمق تتصل بمكانة السرد نفسه في الحياة الثقافية السورية، وبحاجة المشهد الأدبي إلى منصات تُعيد الاعتبار للكلمة بوصفها أداة وعي، وجسراً للحوار، ومرآةً لتحولات المجتمع.

على مدى يومين، تحوّلت قاعة الشاعر الراحل ممدوح السكاف إلى مساحة مفتوحة للنقاش والقراءة والتأمل، احتضنت أدباء ونقّاداً وكتّاباً من أجيال وتجارب مختلفة، اجتمعوا تحت عنوان واحد: الحكاية تلك الكلمة التي بدت خلال الملتقى أكثر من مجرد جنس أدبي؛ كانت عنواناً لرهان ثقافي جديد يسعى إلى استعادة وهج السرد، وإعادته إلى مركز الفعل الإبداعي.

مشروع ثقافي متكامل

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن القائمين على الملتقى أرادوا له أن يكون مشروعاً ثقافياً متكاملاً، لا فعالية عابرة بحسب الأديبة عبير النحاس، رئيسة فرع اتحاد الكتّاب العرب في حمص، التي تحدثت لمدونة وطن قائلة: إن الهدف الأساسي من تنظيم الملتقى تمثّل في «إعادة الألق لفن السرد»، من خلال تسليط الضوء على أدب القصة القصيرة والرواية، بوصفهما من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على التقاط التحولات الإنسانية والاجتماعية، وعلى توثيق الذاكرة الفردية والجمعية ضمن إطار فني رفيع.

الاديبة عبير النحاس

وأضافت..لكن الرؤية لم تتوقف عند حدود الاحتفاء بالنصوص، بل اتسعت لتشمل بناء مساحة تفاعلية بين الأجيال؛ مساحة يلتقي فيها الأدباء الروّاد بالمواهب الشابة، لا بوصفهم طرفين منفصلين، بل شركاء في صناعة مشهد أدبي متجدد.

ومن هنا جاءت فكرة الحوارات المفتوحة والجلسات النقدية، التي شكّلت أحد أبرز ملامح الملتقى، وسعت إلى تحويله من منصة إلقاء تقليدية إلى ورشة ثقافية حية، يكون فيها النص نقطة انطلاق لحوار أوسع حول الكتابة والقراءة والذائقة الأدبية.

مشاركون في الملتقى

ولعلّ اختيار شعار «بين حرفٍ وآخر... نستريح في حكاية» لم يكن تفصيلاً شكلياً، بل عكس فلسفة الملتقى نفسها؛ تلك الرغبة في جعل الأدب مساحة إنسانية آمنة، تمنح المشاركين والجمهور فرصة للإنصات، لا إلى النصوص فقط، بل إلى ذواتهم أيضاً.

الرواية في الواجهة

استُهلت فعاليات اليوم الأول بجلسة نقدية خُصّصت لرواية"لغز المنارة للأديبة عبير النحاس، وهي رواية موجهة لليافعين، لكنها استطاعت أن تفتح باباً واسعاً للنقاش النقدي حول طبيعة الكتابة الموجّهة لهذه الفئة، وإمكاناتها الفنية والفكرية.

الروائية بوران عربش

في قراءته للرواية، رأى الأستاذ الدكتور عصام الكوسي أن النص نجح في الجمع بين بعدين متكاملين: البعد التربوي الذي يرتبط بأدب الطفل واليافعين، والبعد المغامراتي القائم على التشويق والحركة، مشيراً إلى أن الرواية استطاعت عبر لغة سلسة ومتماسكة أن تلامس مفاهيم إنسانية وفلسفية كبرى مثل الحرية والانتماء والمسؤولية.

أما الدكتور غسان لافي طعمة فتوقف عند ما وصفه بـ«براعة الاستهلال»، مؤكداً أن الرواية نجحت منذ سطورها الأولى في شدّ القارئ إلى عالمها، مستفيدة من بناء درامي واضح وشخصيات قادرة على خلق حالة من التماهي بين الحيواني والإنساني، بين الرمز والواقع.

في حين قدّم الباحث والمفكر عطية مسوح قراءة مختلفة حملت عنوان «لغز المنارة بين الديستوبيا واليوتوبيا»، قرأ من خلالها الرواية باعتبارها نصاً يطرح أسئلة كبرى عن المجتمع، وعن فكرة الإصلاح والمدينة الفاضلة، مشيراً إلى أن أحد أهم إنجازات العمل يتمثل في قدرته على دفع القارئ إلى التفكير المستمر، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي السلبي.

من النقد إلى السرد

بعد الجلسة النقدية، انتقل الملتقى من فضاء التحليل إلى فضاء الإصغاء؛ من قراءة النص إلى سماعه وهنا، بدت الأمسية القصصية امتداداً طبيعياً لروح الملتقى، حيث استعادت الحكاية حضورها الشفهي القديم.

الروائية الشابة بوران عربش افتتحت الأمسية بثلاث "سردات" حملت عناوين: "كن" و"نون اللغة" و"وطني والفيسبوك"، مقدّمة نموذجاً لكتابة جديدة تمزج بين الحس التأملي والهمّ اليومي، وتؤكد حضور الجيل الشاب داخل المشهد السردي المحلي.

وفي حديثها عن مشاركتها، رأت عربش أن القيمة الأبرز للملتقى تمثّلت في جمع أجيال مختلفة تحت سقف واحد، وإتاحة الفرصة أمام الكتّاب الشباب للاحتكاك المباشر بتجارب أدبية راسخة، معتبرة أن هذا النوع من اللقاءات لا يفتح فقط باب التعلم، بل يمنح أيضاً مساحة لتقديم الذات وتثبيت الحضور.

كما شهدت الأمسية مشاركات متنوعة للدكتورة لين غرير التي قدّمت قصة بعنوان "المفاجأة"، والأديب عبد الحفيظ الحافظ الذي قرأ من مجموعته "الربيع المحاصر"، فيما اختتم الدكتورغياث الموصلي فعاليات اليوم الأول بقصتين مترجمتين عن الأدب التشيكي، في إشارة لافتة إلى أهمية الترجمة بوصفها جسراً مكملاً للحكاية المحلية.

القصة القصيرة تتجدد

في اليوم الثاني، واصل الملتقى انشغاله بالسرد، لكن من بوابة القصة القصيرة هذه المرة، عبر جلسة نقدية خُصصت للمجموعة القصصية "أغنيات للحب والفرح" للدكتور جرجس الحوراني، بمشاركة الدكتور وليد العرفي والدكتورة لين غرير.

وقد بدا واضحاً خلال النقاش أن القصة القصيرة ما تزال تحتفظ بقدرتها على التجدد، وعلى ملامسة القضايا الإنسانية الكبرى عبر مساحات لغوية مكثفة، وهو ما أعاد طرح سؤال قديم ومتجدد حول مكانة هذا الفن في ظل التحولات الرقمية المعاصرة.

واختُتمت فعاليات الملتقى بأمسية قصصية جديدة شاركت فيها الأديبات رنا أتاسي، وعبير النحاس، ونداء حسين، إلى جانب الأديب فؤاد العلي، لتتنوع النصوص بين القصة القصيرة جداً والسرد الوجداني والكتابة الرمزية، في مشهد بدا أقرب إلى احتفال جماعي باللغة.

ويُذكر أن "ملتقى القصّة والحكاية" أُقيم يومي الخامس والسادس من شهر أيار الجاري ، ونظّمه فرع اتحاد الكتّاب العرب في مدينة حمص.