في مشهد حمل رسائل أمل ومحبة، وبمناسبة اليوم العالمي للعيش بسلام، أطلق شباب محافظة اللاذقية مبادرة "نواة"، في خطوة مجتمعية تهدف إلى ترسيخ ثقافة السلام وتعزيز قيم العيش المشترك ونبذ العنف وخطاب الكراهية، وسط مشاركة واسعة من مؤسسات المجتمع الأهلي والفعاليات المدنية في المحافظة.
المبادرة، التي نظّمتها جمعية موزاييك للإغاثة والتنمية الإنسانية برعاية محافظة اللاذقية ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، جاءت لتؤكد أن المجتمع السوري، رغم التحديات والظروف التي مر بها خلال السنوات الماضية، ما يزال قادراً على إنتاج مبادرات إنسانية تحمل رسالة محبة وتسامح، وتعكس رغبة حقيقية في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز التماسك بين مختلف مكونات المجتمع.
رسالة محبة من سورية إلى العالم
رئيسة جمعية موزاييك، فوزية اللري، أوضحت في تصريحها لمدونة وطن أن مبادرة "نواة" انطلقت من إيمان عميق بأن السلام يبدأ من الإنسان وينمو بالحوار والتسامح، مؤكدة أن الهدف الأساسي منها يتمثل في نشر ثقافة المحبة وإلغاء خطاب الكراهية من الحياة اليومية.
وأضافت..نجتمع اليوم لنوجّه رسالة إلى العالم مفادها أن الشعب السوري، رغم كل ما مرّ به، ما يزال مؤمناً بالمحبة والسلام. هذه المبادرة هي دعوة مفتوحة لكل فرد كي يكون جزءاً من بناء مجتمع أكثر تماسكاً، تسوده قيم الأخوة والاحترام المتبادل.
وأضافت أن حجم التفاعل الشعبي والرسمي مع المبادرة يعكس عمق العلاقات الإنسانية التي تربط أبناء اللاذقية، ويؤكد أن المحافظة كانت وما تزال نموذجاً للتنوع والعيش المشترك بين مختلف مكوناتها الاجتماعية والثقافية.
السلام ضرورة مجتمعية بعد سنوات الحرب
من جهته، أكد محمد قطرون، مدير الخدمات في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، أن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز المبادرات المجتمعية التي تدعم السلم الأهلي وتعيد بناء الثقة بين أفراد المجتمع.
وأشار إلى أن سورية، بعد سنوات الحرب الطويلة، تحتاج إلى خطاب جديد يقوم على التسامح ونبذ الخلافات، قائلاً إن "السلام لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة وطنية واجتماعية لإعادة بناء الإنسان والمكان معاً".
وأضاف أن دعم المؤسسات الرسمية لمثل هذه المبادرات يعكس قناعة متزايدة بأهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المدني في ترسيخ الاستقرار وتعزيز القيم الإنسانية.
"مرايا اللاعنف".. تجربة للتأمل الذاتي
وفي إطار الأنشطة المشاركة ضمن المبادرة، قدّمت مجموعة "اللا عنف السورية" التابعة لمبادرة "سُلّم" تجربة تفاعلية بعنوان "مرايا اللاعنف"، هدفت إلى تعزيز ثقافة الحوار وضبط الانفعالات.
وأوضح ريبال علي، أحد أعضاء المجموعة، أن التجربة تقوم على دعوة المشاركين إلى الوقوف أمام المرآة والتأمل في ذواتهم قبل اتخاذ أي موقف انفعالي أو متسرع، في محاولة لتعزيز الوعي الذاتي ومراجعة المشاعر السلبية.
وبيّن أن المشاركين يُمنحون فرصة للتعبير عن مشاعرهم كتابةً، حيث تُجمع الرسائل السلبية ليتم التخلص منها رمزياً، مقابل تدوين رسائل إيجابية وعبارات تدعو إلى السلام والمحبة، في خطوة رمزية تهدف إلى تحويل الطاقة السلبية إلى فعل إيجابي.
وأكد أن المبادرة تسعى إلى نشر هذا النموذج في مختلف المحافظات السورية، باعتباره وسيلة مبتكرة لتعزيز ثقافة اللاعنف بين الشباب.
"خيوط سلام".. تعزيز المشترك الإنساني
بدورها، تحدثت منى محمد من مبادرة "خيوط سلام" عن أهمية المشاركة في "نواة"، موضحة أن أهداف المبادرتين تتقاطع في تعزيز الحوار والتقارب بين مختلف مكونات المجتمع.
وقالت إن "خيوط سلام" تعمل على جمع أبناء اللاذقية من المدينة والريف ضمن جلسات حوارية وأنشطة اجتماعية وثقافية تهدف إلى تعزيز السلم الأهلي وقبول الآخر.
وأضافت أن المبادرة تعتمد أيضاً على التراث الشعبي كوسيلة للتقارب، من خلال إعداد مأكولات تقليدية تمثل مناطق متعددة من المحافظة، مثل جبلة وجبل التركمان وجبل الأكراد والقرداحة، معتبرة أن "الخبز والملح" يرمزان إلى قيم المشاركة والتآخي التي تجمع السوريين.
الفن في خدمة السلام
وشهد حفل إطلاق "نواة" معرضاً فنياً شاركت فيه جمعيات ومبادرات أهلية متعددة، عُرضت خلاله لوحات ورسائل بصرية تدعو إلى نبذ العنف وترسيخ ثقافة المحبة والتسامح.
كما تضمن الحفل عروضاً مسرحية وفنية جسدت وحدة المحافظات السورية وتنوعها الثقافي، وكان من أبرزها لوحة رمزية تصدرتها شجرة زيتون قدمتها جمعية هيا الخيرية، في إشارة إلى السلام والتجذر في الأرض والانتماء الوطني.
واختُتمت الفعاليات بفقرات غنائية استحضرت التراث الفني لمدينة اللاذقية، في مشهد جمع بين الفن والرسالة الإنسانية، وأكد أن الثقافة يمكن أن تكون أداة فاعلة في نشر السلام.
الشباب السوري يصنع الأمل
تعكس مبادرة "نواة" إيمان الشباب السوري بدورهم في صناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً، وتؤكد أن بناء السلام لا يبدأ من المؤسسات فقط، بل من الأفراد الذين يملكون الإرادة لتغيير واقعهم نحو الأفضل.
وفي وقت يحتاج فيه المجتمع إلى مزيد من المبادرات الإنسانية الجامعة، تبدو "نواة" أكثر من مجرد فعالية عابرة؛ إنها رسالة واضحة بأن السلام يمكن أن يبدأ بخطوة صغيرة، لكنه قادر على أن يصنع فرقاً كبيراً في حياة المجتمعات.
