في المخيمات السورية، لا يأتي العيد كما يأتي في المدن الآمنة، فلا تسبقه ازدحامات الأسواق، ولا أصوات الزينة، ولا رائحة البيوت المغمورة بالحلويات.
هناك، يصل العيد خفيفًا كضيفٍ خجول، يحمل معه فرحًا ناقصًا وذاكرةً مثقلة بالحرب، لكنه رغم كل شيء لا يغيب.
منذ سنوات، تعيش آلاف العائلات السورية داخل خيام مؤقتة في مناطق مختلفة من سوريا، حيث تحولت الحياة اليومية إلى معركة مستمرة من أجل البقاء.
ومع ذلك، يبقى العيد مناسبة استثنائية تحاول فيها الأمهات ترميم ما تبقى من الطفولة، بينما يخفي الآباء عجزهم خلف ابتسامة سريعة، ويركض الأطفال وراء أي سبب صغير للفرح.
العيد يبدأ من خيمة
يقول "أبو أحمد"، أحد الآباء النازحين في مخيم "أطمة" بمنطقة "حارم" لمدونة وطن:
"يبدأ العيد من خيمة تحاول أمّ أن ترتبها قبل الفجر، ومن طفل يسأل والده إن كان سيحصل هذا العام على حذاء جديد، ومن أبٍ يقف طويلًا أمام بسطة صغيرة يحسب ما تبقى في جيبه قبل أن يشتري قطعة حلوى أو لعبة بلاستيكية رخيصة، وأضاف العيد في المخيمات ليس مناسبة عابرة، بل اختبار سنوي للمشاعر الإنسانية، ففي هذا اليوم يحاول النازحون إخفاء ندوب الحرب، وإقناع أطفالهم بأن الحياة ما تزال تستحق الفرح، ولو لساعات قليلة".
في الليلة التي تسبق العيد، تتغير المخيمات قليلًا، تقول “أم حسين”، وهي نازحة من ريف حلب:
"نغسل بعض الثياب بعناية، وننظف الأرض الترابية أمام الخيام، بينما تعلق الأمهات على حبال الخيام زينة بسيطة صنعها الأطفال من الورق وأكياس النايلون الملونة، كنا قبل الحرب نحضّر للعيد قبل شهر كامل، أما اليوم فنحضّر له بما نستطيع خلال ليلة واحدة، أهم شيء عندي ألا يشعر أولادي أنهم أقل من غيرهم".
لا شيء فاخرًا هنا، لكن التفاصيل الصغيرة تصبح ذات قيمة عظيمة، قطعة حلوى قد تكفي لصناعة فرح كامل، وثوب مستعمل قد يتحول إلى لباس العيد الذي ينتظره طفل منذ أشهر.
صلاة العيد تحت السماء المفتوحة
يقول الصحفي السوري "علام العبد" وهو من أبناء إدلب والمطلعين عن قرب على واقع المخيمات: "مع ساعات الفجر الأولى من يوم عيد الأضحى، تستيقظ المخيمات السورية على صوت التكبيرات المنبعثة من مكبرات صوت صغيرة أو من هواتف محمولة قديمة، في مشهد يختلط فيه الإيمان بالحزن والحنين.
في الساحات الترابية وبين صفوف الخيام، يتجمع الرجال والأطفال لأداء صلاة العيد تحت السماء المفتوحة، بعدما تحولت كثير من المخيمات إلى أماكن تفتقر لأبسط مقومات الحياة، فضلًا عن المساجد أو الساحات المجهزة.
يفترش المصلون الأرض بقطع من النايلون أو البطانيات القديمة، بينما يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة أو المستعملة بفرح واضح، وكأنهم يحاولون انتزاع لحظة طبيعية من قلب النزوح.
لكن رغم قسوة المشهد، تحمل صلاة العيد في المخيمات طابعًا خاصًا، إذ تتحول التكبيرات إلى مساحة جماعية لاستحضار الغائبين واستعادة ذكريات الأعياد الماضية، فكثير من المصلين يقفون في الصفوف وهم يستذكرون بيوتهم التي فقدوها، وأقاربهم الذين غيبتهم الحرب أو الهجرة أو الموت".
يقول "أبو صالح"، وهو نازح من ريف إدلب:
"حين نكبر في صلاة العيد نشعر للحظة أننا ما زلنا مجتمعين كما كنا قبل الحرب، لكن سرعان ما تعود الذاكرة لتذكرنا بكل من غاب عن هذه الصفوف".
الأطفال ينتظرون فرحة العيد
يبقى الأطفال الوجه الأكثر وضوحًا للعيد في المخيمات، فعلى الرغم من الحرب والفقد والنزوح، ما يزالون قادرين على صناعة البهجة.
يقول الطفل "عبد الرحمن"، البالغ من العمر 11 عامًا، من مخيم "أطمة": "منذ الصباح الباكر، نركض خلف أرجوحة بدائية صنعت من الحبال، كما نحرص على ممارسة ألعابنا الشعبية داخل المخيم، مثل كرة القدم والجري بين الخيام وتبادل الحلوى والعيديات البسيطة، أو نلتف حول متطوع يوزع الحلوى والألعاب".
وتقول المتطوعة "سارة محمود" التي تشارك سنويًا في تنظيم أنشطة العيد داخل المخيمات:
"الأطفال هنا لا يحتاجون الكثير كي يفرحوا، أحيانًا بالون صغير أو لعبة بسيطة قادرة على رسم ابتسامة حقيقية على وجوههم، ورغم أن هذه الأنشطة لا تستطيع تعويض الأطفال عن طفولتهم المفقودة أو واقع النزوح الذي يعيشونه، فإنها تمنحهم لحظات نادرة يشعرون خلالها بأن العيد ما يزال يحمل شيئًا من معناه الحقيقي، بعيدًا عن الحرب والخيام والحرمان".
الأمهات… حارسات الفرح
في كل خيمة تقريبًا، توجد أم تحاول أن تمنع الانكسار من الوصول إلى أطفالها، تخبز ما تيسر، تخيط الملابس القديمة، وتصنع من أبسط الأشياء محاولة للحفاظ على روح العيد.
تقول "أم يزن"، وهي أرملة تعيش في أحد مخيمات ريف حلب:
"الأطفال في المخيمات لا يحتاجون فقط إلى الطعام، بل إلى الإحساس بالحياة، في المخيمات، تتحول الأم إلى كل شيء: الأب، والطباخة، والطبيبة، والحارسة النفسية لأطفالها، وبإمكانات شديدة البساطة، تحاول كثير من النساء إعداد ما يشبه "كعك العيد" باستخدام الطحين المقدم ضمن المساعدات، والقليل من السكر والزيت".
وتضيف "أم يزن":
"أعرف أن أولادي يشتاقون للبيت وللعيد الحقيقي، لكني أحاول ألا يروا حزني، أحيانًا أبكي ليلًا فقط كي لا يشعروا أن الدنيا انتهت".
العيد والإغاثة… فرح مؤقت
خلال أيام العيد، تنشط الفرق التطوعية والمنظمات الإنسانية داخل المخيمات، فتوزع الألعاب والملابس والحلوى، وتنظم عروضًا ترفيهية ومسابقات للأطفال.
ويؤكد الصحفي السوري "علام العبد" أن العيد في الشمال السوري لم يعد يشبه الأعياد التي عرفها السوريون سابقًا، موضحًا:
"وحدها المبادرات الخيرية التي يقوم بها رجال الأعمال والمحسنون والجمعيات والمؤسسات الخيرية تحفظ ماء وجه العيد الذي تعيشه اليوم الأسر الفقيرة، ولا سيما تلك التي تقيم في مخيمات الشمال السوري، فالوضع الاقتصادي المتردي الذي يخيم على البلاد والعباد جعل كل شيء شحيحًا، والحركة التجارية لم تعد كما كانت، وفرص العمل شبه معدومة، ما انعكس سلبًا على العائلة السورية".
كما يشير إلى أن العائلات الوحيدة القادرة على ممارسة طقوس العيد بشكل شبه طبيعي هي تلك التي تتلقى دعمًا خارجيًا من أقارب مغتربين، أو مساعدات من محسنين، لأن العيد اليوم بات حكرًا على من يملك قيمة الفاتورة".
ويضيف: "رغم أهمية المبادرات الإنسانية، فإنها لا تستطيع إخفاء الواقع القاسي داخل المخيمات، فمع انتهاء أيام العيد، تعود الحياة سريعًا إلى صورتها المعتادة: خيام مهترئة، نقص في المياه والخدمات، بطالة متفشية، وحياة يطغى عليها القلق وانعدام الاستقرار".
الأضاحي… شعيرة تحولت إلى حلم
في المخيمات السورية، لم تعد الأضحية طقسًا متاحًا كما كانت قبل الحرب، فمع ارتفاع أسعار المواشي والأعلاف، أصبحت غالبية العائلات عاجزة عن شراء الأضاحي، وتعتمد بشكل شبه كامل على حملات التبرع التي تنظمها الجمعيات الخيرية.
يقول "أبو جواد" وهو نازح في أحد مخيمات ريف حلب:
"قبل الحرب كنا نذبح أضحيتين أو ثلاثًا ونجتمع مع العائلة كلها، أما اليوم فننتظر دورنا في توزيع اللحوم، ومع ذلك نحمد الله إذا وصلت الحصة.
ومع بدء توزيع لحوم الأضاحي، يصطف الأطفال بانتظار حصص قد لا تدخل خيامهم إلا مرة أو مرتين في العام، فتتحول تلك الوجبة البسيطة إلى حدث استثنائي يمنح العائلة شعورًا بأن العيد ما يزال حاضرًا.
زيارات بين الخيام
تقول "أم يوسف"، وهي نازحة من ريف حماة: "رغم قسوة الظروف، يحاول سكان المخيمات الحفاظ على بعض عادات العيد، وفي مقدمتها الزيارات العائلية وتبادل التهاني.
لكن الزيارات هنا تختلف عن تلك التي كانت تجري في البيوت السورية الواسعة، فبدلًا من المجالس وغرف الضيافة، ينتقل الناس بين خيام ضيقة تفصل بينها طرقات ترابية موحلة شتاءً ومغبرة صيفًا، وتتحول تلك الزيارات غالبًا إلى جلسات يستعيد فيها النازحون ذكريات أعيادهم قبل الحرب، البيوت القديمة، أصوات الأقارب، ورائحة الطعام التي ما تزال تسكن الذاكرة.
نحن لا نملك الكثير، لكننا نحاول ألا تنقطع الزيارات بين الناس، فعندما ندخل خيمة جيراننا ونقول لهم كل عام وأنتم بخير نشعر أننا ما زلنا بشرًا ولسنا مجرد أرقام في المخيمات".
فرحة العيد باقية
ربما يكون المشهد الأكثر إدهاشًا في المخيمات السورية هو قدرة الناس على التمسك بالحياة رغم كل ما حدث، فالخيمة التي شهدت البرد والجوع والخوف، تستطيع أيضًا أن تشهد ضحكة طفل صباح العيد.
في المخيمات السورية، لا يبدو العيد كاملًا، لكنه يبقى شاهدًا على أن الإنسان قادر دائمًا على صناعة بصيص نور، حتى في أكثر الأماكن ظلمة.
في المخيمات، لا يُقاس العيد بحجم المشتريات، بل بقدرة الناس على مقاومة الحزن.
