رغم مرور عقود على تدميرها وتهجير أهلها عقب احتلال الجولان عام 1967، ما تزال قرية الراوية حاضرة في وجدان أبنائها، نابضة في ذاكرتهم الجماعية، وفي الروايات الشفوية التي تحفظ تفاصيل المكان وكأن الزمن لم ينجح في محوها فالقرية التي غابت عن الجغرافيا المأهولة، بقيت شاهدة في التاريخ والذاكرة، باعتبارها واحدة من قرى الجولان التي قاومت النسيان.
موقع جغرافي وتاريخ ضارب في القدم
تقع الراوية غرب هضبة الجولان على ارتفاع يقارب 800 متر فوق سطح البحر، ضمن منطقة بركانية غنية بالصخور البازلتية السوداء، شكّلت جزءاً من الهوية الطبيعية والعمرانية للمنطقة بحسب المهتم بالشأن التاريخي وأحد أبناء القرية شامان حامد الذي تحدث لمدونة وطن قائلا: يحدّ القرية من الشمال وادي الريح، ومن الشرق قرية قرحتا، ومن الجنوب حفر، ومن الغرب منطقة واسط ووادي العليبة ووادي سكوجه، ما جعلها جزءاً من النسيج الريفي البدوي الذي طبع الجولان لعقود طويلة.
ويعود اسم القرية، بحسب حامد، إلى عين ماء الراوية التي كانت شريان الحياة فيها، ومصدراً رئيسياً لري القرى المجاورة، مثل حقر قنابة والمنشية وقد وصفها الرحالة الألماني غوتليب شوماخر عام 1888 بأنها تضم أحد عشر كوخاً فوق أساسات حجرية قديمة، في إشارة واضحة إلى وجود آثار رومانية وبيزنطية في الموقع.
ملامح عمرانية وآثار شاهدة
ويصف حامد الراوية في ختام حديثه بأنها "قرية مدمّرة ما زالت حيّة في القلب"، مشيراً إلى ما تحتويه من شواهد أثرية، بينها بركة قديمة، وآثار رومانية، ومسجد لم يُكتب له الاكتمال بسبب الاحتلال.
تميّزت بيوت الراوية ومضافاتها، بحسب روايات أهلها، بأقواسها البازلتية التي عكست الطابع المعماري السائد في قرى الجولان، فيما اعتمد السكان على الأكواخ الشتوية المبنية من الحجر البازلتي، بما ينسجم مع البيئة الطبيعية للمنطقة.
وتضم المنطقة المحيطة بالقرية عدداً من المعالم الأثرية المهمة، منها جدار بازلتي ضخم، وخزان ماء روماني، وقبور الدولمن التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، إضافة إلى القرية الأثرية القديمة وجورة الحيّة كما يمر عبر أراضيها خط أنابيب التابلاين، الذي شكّل علامة جغرافية بارزة في المنطقة.
هوية ريفية أصيلة
أن الحياة في الراوية كانت بسيطة وتعتمد بشكل أساسي على الزراعة البعلية وتربية المواشي، كما يؤكد فوزي عطية، أحد أبناء القرية،والذي أضاف لمدونة وطن زرع الأهالي القمح والشعير والذرة والبقوليات، إلى جانب تربية الأبقار والأغنام والماعز، مستفيدين من خصوبة الأرض وتنوّع تضاريسها. ويشير إلى أن الكهرباء لم تصل إلى القرية قبل عام 1967، شأنها شأن معظم القرى الريفية الصغيرة في الجولان آنذاك.
مجتمع متماسك وعادات متجذّرة
من جانبه، يوضح الحاج محمد الجاسم، أحد أبناء القرية، أن عدد سكان الراوية قبل الاحتلال كان يقارب ألف نسمة، وينتمون إلى عشيرة الهوادجة من قبيلة زبيد، ويُعرفون محلياً باسم السرايرة والظواهرة.
ويعود أصل الهوادجة، بحسب الجاسم، إلى زبيد القحطانية، وقد استقروا في الجولان بعد رحلة تنقل طويلة عبر العراق والرقة وحماة والبقاع، فيما كان أحمد بن محمود المصطفى مختاراً للقرية قبل الاحتلال.
ويضيف أن المضافة كانت تمثل حجر الأساس في الحياة الاجتماعية، حيث تُقدَّم القهوة العربية وفق طقوس متوارثة، وتُستقبل فيها الوفود والضيوف، وتُحلّ النزاعات، وتُعقد الاجتماعات والجاهات، فضلاً عن كونها فضاءً للسمر الليلي، تتعانق فيه القصائد مع أنغام الربابة. وكانت الأعراس في الراوية كما بين الجاسم تمتد سبعة أيام بلياليها، تبدأ بـ"الجاهة" التي تتقدّم لطلب العروس من أهلها، وتُقام الاحتفالات في ساحات مفتوحة على إيقاع الدبكة الجولانية والمزمار واليرغول والسحجة، فيما تُرافق الزفّة الخيول، وتسبقها ليلة الحناء، وتُقدَّم خلالها أطباق اللحم والبرغل واللبن في الولائم الجماعية.
أما في الأحزان، فكانت تُنصب بيوت العزاء وتُفتح المضافات لاستقبال المعزّين، مع الالتزام بعادات متوارثة تقوم على تقديم القهوة السادة، والوقوف صفاً للتعزية، إلى جانب إعداد الطعام عن روح المتوفى وإعلان الحداد.
ذاكرة لا تنطفئ
ورغم تغييبها عن الخارطة السكانية منذ عام 1967، ما تزال الراوية حيّة في ذاكرة أبنائها، وفي صفحات المؤرخين، وفي وجدان الجولان الذي فقد عشرات قراه بفعل الاحتلال.
إنها ليست مجرد قرية مدمّرة، بل حكاية مكان قاوم الغياب، وناس حملوا ترابه في قلوبهم، وظلّت عين الراوية شاهدة على أن الحياة لا تنطفئ، مهما طال الفقد والغياب.
