كما جرت العادة أن يتكنى الذكر باسم أبيه، إلا أن "تل الحسكة" أبى إلا أن يحمل اسم أمه، وعلى الرغم من المهام التي وكلت إليه كحامية عسكرية منذ أن تم تشييده، إلا أنه اليوم اكتفى أن يكون شاهداً على العصر، ليشهد الحضارة التي تعيشها المحافظة في هذا الزمان.

موقع eHasakeh اقترب من التل ليقف على شيءٍ من ذكراه، والتقى الدكتور "عبد المسيح بغدو" مدير الآثار ليحدثنا عن مكنوناته فقال: «يعتبر تل الحسكة المتوضع وسط مدينة "الحسكة"، على الضفة اليسرى لمجرى نهر "الخابور" على بعد 1700متر، من التقاء نهر "الجغجغ" بنهر الخابور، من أكبر التلال ً المحيطة بمدينة الحسكة من حيث الحجم، حيث تبلغ مساحة مدينته المرتفعة 205 هكتار، وارتفاع 309.25متر عن سطح البحر، أما المدينة المنخفضة يتوضع عليها معظم أبنية مدينة الحسكة القديمة.

علماً أنه قبل أعمال البحث الأثري في "تل الحسكة"، لم يكن تاريخ استقرار الإنسان في هذه المدينة معروفاً إلاَّ مع بداية القرن العشرين، وبعد أن انتشرت البعثات التي نقبت في هذا الموقع أو غيره

استخدم سطح التل أول الأمر كحامية عسكرية خلال الفترة العثمانية، ثم ثكنة عسكرية فرنسية خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسورية، وبعد الاستقلال عرف بثكنة "سعد بن أبي وقاص"، في عام 2007 تم تسيلم التل إلى وزارة الثقافة بعد نقل ملكيته من وزارة الدفاع».

جانب من الآثار الموجودة في الموقع

يضيف "بغدو": «بدأت بعثة أثرية سورية برئاستي أعمال التنقيب والبحث الأثري في التل لأول مرة، في شهر تموز عام 2008، بهدف معرفة الدور الذي لعبه الموقع خلال الألف الثاني والأول قبل الميلاد، وللتعرف فيما إذا كان التل يحتوي في طياته مدينة "مكريزي"، الوارد ذكرها في الرقم المسمارية المكتشفة في تل "الشيخ حمد" أو ما يعرف بـ "دور كاتليمو"، العائدة للعصر الأشوري، حيث بينت أعمال التنقيب خلال ثلاثة مواسم من 2008-2010، وجود عدة سويات أثرية في الموقع، تمّ الكشف في السوية الأحدث العائدة إلى فترة الحضارة العربية الإسلامية، عن أجزاء من أساسات لجدران حجرية تعود إلى العصر "المملوكي"، توضع تحتها مباشرة منشآت معمارية "سكنية، حرفية"، تعود إلى العصر الأيوبي أي القرن الثاني عشرو الثالث عشر الميلادي، بعض جدرانها بُني من مادة اللبن والآخر من الحجر المطلي بالجص، أما الأرضيات فقد كان بعضها مطلي بمادة الجص، توضَّع عليها مجموعة من التنانير ولقى فخارية مزججة، وبجانب وتحت أرضية هذه الأبنية تم التعرف على أحواض مطلية بمادة الجص أيضاً».

يتابع "بغدو": «تم التعرف أيضاً ضمن السوية العائدة إلى فترة الحضارة "البيزنطية"، على كاتدرائية تعود إلى الفترة المسيحية المبكرة، واستمر استخدامها خلال العصرين "الأموي والعباسي، شُيدت هذه الكاتدرائية من الحجر البازلتي وهي مكسية ومطلية من الداخل وفي بعض الأماكن من الخارج بمادة الجص، بلغ طولها 31 متر وعرضها 18متر، كما بلغ ارتفاع بعض الأجزاء المكتشفة من جدرانها 2.10 متر، تتألف الكاتدرائية من ثلاثة أقسام.

من اللقى الاثرية في الموقع

احتوى القسم الأول وهو صحن الكاتدرائية على ثلاثة أروقة وهي الرواق الشمالي، الرواق الأوسط، الرواق الجنوبي، أرضيته مرصوفة باللبن المشوي بأشكال هندسية وألوان متعددة، وتتكون أبعاد اللبنة الواحدة من 28× 28 سم، يفصل الأروقة الثلاث عن بعضها البعض أربع قواعد لعامودين، وأربع قواعد لأربعة أعمدة بلغ طول إحداها خمسة أمتار، وهي مصنوعة من الحجر البازلتي ولها تيجان في الأعلى مزينة بزخارف هندسية، وضم القسم الثاني "قدس الأقداس"، الذي تألف من الهيكل "بيت القدس" المتوضع في الوسط، وإلى الجنوب منه وغرفة المعمودية ومقام الشهداء، إلى الشمال من "بيت القدس" توضعت غرفة الشمامسة، التي عثر بداخلها على دنَّين من الفخار وسراج مصنوع من البرونز وختم حجري».

أما اقسم الثالث فيقوا "بغدو": «تم التعرف في القسم الثالث داخل القطاع الخدمي في الجهتين الشمالية والغربية من الكاتدرائية، على معصرتين لتحويل العنب إلى نبيذ وقبر وجد بداخله هيكل عظمي لشخصية هامة مرتبطة بالكاتدرائية، كما تم العثور على حوض مطلي بالجص مرتبط مباشرة ببئر، وجزء من قاعة استقبال توضَّع بداخلها كرسي، يُعتقد أنه كرسي المطران في الجهة الجنوبية منها».

بعد أن تم اكتشاف الكاتدرائية

يتابع بغدو": «أظهرت أعمال التنقيب في السوية العائدة إلى العصر "الآشوري الحديث"، عن جدار مبني من اللبن وصل ارتفاعه إلى 5.2متر، وعرضه 10متر، وعلى جزء من جدار آخر مبني من اللبن مطلي من الداخل بمادة الجص، أبعاده 1×1×2 متر، يتجه الجدار شرق – غرب، ليتقاطع مع جزء من جدار ثان يتجه شمال جنوب، بطول 2.5متر، ليشكلان زاوية لمبنى عثر على أرضيته مجموعة من الحجارة وكسرة فخارية، تُعد النتائج التي حققتها البعثة الأثرية السورية من المديرية العامة للآثار والمتاحف، خلال ثلاثة مواسم من التنقيب والبحث الأثري في "تل الحسكة" غاية في الأهمية كونها توصلت إلى :

  • التعرف على استمرارية الاستقرار في مدينة "الحسكة" دون انقطاع، منذ يومنا هذا وحتى القرن الثاني الميلادي، "ثكنة سورية، ثكنة فرنسية، حامية عثمانية، العصر المملوكي، العصر الأيوبي، فترة الحضارة البيزنطية،/كاتدرائية تعود إلى القرن الخامس الميلادي"، الأولى من نوعها في محافظة "الحسكة"، استمر استخدامها خلال العصرين "الأموي والعباسي"، توضع في الجهة الشمالية تحت أرضية الكاتدرائية جدار مبني من الحجر، يعود إلى الفترة الرومانية القرن الرابع - الثاني الميلادي، بعدها حدث فترة انقطاع استمرت حتى القرن الثامن قبل الميلاد، العصر الآشوري الحديث».
  • يختم "بغدو": «علماً أنه قبل أعمال البحث الأثري في "تل الحسكة"، لم يكن تاريخ استقرار الإنسان في هذه المدينة معروفاً إلاَّ مع بداية القرن العشرين، وبعد أن انتشرت البعثات التي نقبت في هذا الموقع أو غيره».

    الباحث في التراث الجزري "صباح قاسم قال: «ذُكر هذا التل في كتاب "هذه الجزيرة" للمؤلف "صبحي عبد الرحمن النبعوني"، حيث قال:"عام 1923 لم تكن الحسكة سوى ثكنة عسكرية ضيقة، أقامها الأتراك على رأس مرتفع يشرف على "نهر الخابور"، واتخذوه مقراً لفرقةٍ من فرقهم، يقيم فيها آمر المحافظة ويتابع أمور الأمن بين العشائر، وبعد أن رجعت هذه الرقعة الجميلة "الجزيرة" إلى حضن الوطن الأم "سورية"، وبعد أن استتب فيها الأمن وانتشر الهدوء سائر أرجائها، توافد الناس عليها من ولايتي "ماردين" و"ديار بكر" واتخذوا منها مساكن لهم».