على ضفة نهر الجغجغ، في أحد أحياء مدينة القامشلي القديمة، لا يحتاج الزائر إلى كثير من السؤال للوصول إلى مشغل أنطو بدروسيان. فاسمه، كما كان اسم والده وجده من قبله، ارتبط بصناعة الفخار حتى بات علامة يعرفها جميع أبناء المدينة.

في منزل طيني بسيط تعبق أركانه برائحة الطين والصلصال، يجلس أنطو بدروسيان، الأرمني الخمسيني، خلف دولاب الفخار، يحول بين يديه كتلة من الطين إلى جرار وأوانٍ وتحف فنية تعكس خبرة تراكمت عبر أجيال، وإبداعًا حافظ على واحدة من أقدم المهن التقليدية في الجزيرة السورية.

مهنة تتوارثها الأجيال

لا تمثل صناعة الفخار بالنسبة لعائلة بدروسيان مجرد حرفة، بل هي إرث ثقافي متجذر. فالعائلة، التي استقرت في القامشلي قبل أكثر من مئة عام، توارثت هذه المهنة منذ ما يزيد على أربعة قرون، وفق الرواية التي تناقلها أنطو عن والده وجده.

صناعات فخارية تراثية

ويقول أنطو في حديثه لمدونة وطن : "صناعة الفخار تحتاج إلى الصبر، فالحصول على التربة المناسبة ليس بالأمر السهل. نمضي أنا وإخوتي في أحياء المدينة بحثًا عن مواقع الأبنية التي يجري تشييدها، فنجمع التراب من الحفريات وننقله إلى المشغل، حيث تتم تصفيته وغربلته بعناية. بعدها نضع التربة في بركة خاصة لتتخمر حتى تأخذ القوام المناسب، وقد تستغرق عملية تخمير الصلصال أسبوعًا أو أكثر، وكلما طالت مدة التخمير أصبح الصلصال أكثر تجانسًا."

ويتابع: "بعد ذلك تبدأ مرحلة تشكيل الفخار بأشكال متنوعة وفق الطلب أو بما يتناسب مع الذوق العام، ثم تُترك القطع يومًا كاملًا أو أكثر حتى تجف، قبل إدخالها إلى الفرن لعملية الحرق، وهي من أكثر المراحل حساسية، إذ إن أي خلل في درجة الحرارة قد يؤدي إلى تلف القطعة بالكامل."

أنطو بدروسيان آخر الفخاريين المهرة

صيف ينعش المهنة

تنانير الخبز المصنوعة من الفخار

يزداد الطلب على المصنوعات الفخارية خلال فصل الصيف، إذ يقصد الأهالي المشغل لشراء الجرار المستخدمة في تبريد مياه الشرب، والصمديات، وكؤوس المتة، وأصص الزراعة، إضافة إلى التحف المنزلية، كما لا تزال بعض العادات الشعبية تحافظ على حضور الفخار، مثل استخدامه في طقوس الزواج وكسر الجرار احتفاءً بالمناسبة.

ويوضح خاشع، وهو مربٍ للنحل من ريف القامشلي:"ليست بيوت النحل وحدها ما أحتاجه، فالجرار والتحف التي تلفت نظري أحرص على شرائها، لأنها متقنة الصنع وأسعارها مناسبة. منذ أكثر من عشرين عامًا وأنا أشتري احتياجاتي من هذا المكان، وفي كل زيارة أجد شيئًا جديدًا."

أما أبو مهند، القادم من ريف تل حميس، فيؤكد أن جودة صناعة التنور لا تزال تستقطب الزبائن، قائلاً: "قدمت اليوم لشراء تنور للخبز، فهنا يصنع بإتقان، ويتابع حديثه: منذ طفولتي كان والدي يصطحبني إلى هذا المكان مرتين في السنة لشراء التنور، وبعد وفاته أصبحت زبونًا لأنطو كما كنت لوالده. وفي كل زيارة نشتري أيضًا دنًّا لتبريد المياه وبعض القطع الفخارية التي تعجبنا."

مهنة تطورت... وحافظت على روحها

رغم تمسكها بالطرق التقليدية، شهدت المهنة بعض التطورات التقنية بحسب أنطو الذي اضاف..

"توارثت عائلتنا صناعة الفخار أبًا عن جد منذ أكثر من 450 عامًا. وكل جيل كان يضيف شيئًا جديدًا إلى المهنة. في الماضي كانت جميع أدوات العمل، مثل الدولاب والقرص والمحور، تُصنع من الخشب، وكانت تُدهن بزيوت الحيوانات لتسهيل حركتها، كما كانت جميع مراحل الإنتاج تتم يدويًا أما اليوم فقد أُدخل المحرك لتحريك الدولاب، واستُبدلت بعض القطع الخشبية بأخرى معدنية، مع الحفاظ على جوهر المهنة وطابعها التقليدي."

الفخار... ذاكرة تواجه خطر الاندثار

يرى الباحث والأكاديمي المختص بالآثار، سعود الحسين، أن تاريخ الفخار في محافظة الحسكة يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الحضاري للمنطقة، وأسهمت مكتشفاته الأثرية في فهم تطور الحياة اليومية والفنون منذ أكثر من ثمانية آلاف عام.

ويقول الحسين: "تميز فخار الحسكة القديم باستخدام الطين المحلي، ثم تشكيله يدويًا قبل ظهور الدولاب في المراحل اللاحقة، وبعدها تجفيفه وحرقه في أفران خاصة. كما عُرف بزخارفه الملونة بالأحمر والأسود والبني على أرضية فاتحة، وهي سمة بارزة لفخار حضارة حلف."

أنطو بدروسيان آخر الفخاريين المهرة

اليوم، يقف أنطو بدروسيان في مواجهة تحديات كبيرة فبعد وفاة والده قبل أشهر، أصبح من آخر الفخاريين المهرة في المنطقة، في وقت لم يعد فيه العائد المادي يتناسب مع الجهد والوقت اللذين تتطلبهما هذه الصناعة اليدوية.

ومع تراجع أعداد الحرفيين، وغياب الدعم الكافي للحرف التقليدية، تبرز الحاجة إلى حماية هذه المهنة بوصفها جزءًا من التراث المادي والهوية الثقافية للجزيرة السورية.

أخير الفخار ليس مجرد أوانٍ تصنع من الطين، بل ذاكرة حضارية حيّة، تختزن تاريخ المنطقة وتروي قصة الإنسان الذي حوّل التراب، عبر آلاف السنين، إلى فنٍ وحياة.