حين يُذكر اسم كودنة في ريف القنيطرة الجنوبي، لا يستحضر أبناء المنطقة قريةً زراعية فحسب، بل يستحضرون تاريخًا عريقًا من الفروسية ارتبط بالخيول العربية الأصيلة، التي وجدت في سهول الجولان ومراعيه بيئةً مثالية حافظت على نقاء سلالاتها عبر الأجيال.
هنا لم تكن الخيول مجرد وسيلة للتنقل أو رمزًا للوجاهة الاجتماعية، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية وإرثًا تتناقله العائلات كما تتناقل أسماء الآباء والأجداد.
إرث يمتد لأربعة قرون
على امتداد أكثر من أربعة قرون، حافظ مربو الخيول في كودنة على مرابطهم وسلالاتهم، رغم ما شهدته المنطقة من حروب وتحولات.
وأوضح مربي الخيول محمود الطحان، في حديثه لمدونة وطن، أن الخيل وصلت إليهم ميراثًا من الأجداد، وأن القطعان التي يملكونها اليوم تعود جذورها إلى مئات السنين، مشيرًا إلى أن البلدة اشتهرت في الماضي بسلالات عربية أصيلة شكّلت جزءًا من تاريخها وهويتها.
وأضاف أن المربين يعملون اليوم على استعادة بعض السلالات التي اندثرت مع الزمن، بهدف إعادة مرابط كودنة إلى مكانتها التاريخية، والحفاظ على هذا الإرث للأجيال القادمة.
الخيل... جزء من هوية الجولان
لا تقتصر العناية بالخيول في كودنة على التربية والرعاية اليومية، بل تمتد إلى المحافظة على أنسابها وتوثيقها بدقة.
ويؤكد محمود الطحان أن لكل سلالة اسمًا وتاريخًا وصفات تميزها، سواء من حيث البنية أو السرعة أو القدرة على التحمل، لافتًا إلى أن تتبع الأنساب يعد الركيزة الأساسية للحفاظ على نقاء الدم العربي الأصيل واستمرار السلالات العريقة.
أما المربي ياسين طحان، الذي نشأ بين الخيول وتعلم أسرار تربيتها منذ طفولته، فيرى أن الفرس العربي ليس مجرد حيوان نبيل، بل شاهد حي على تاريخ طويل من العلاقة بين الإنسان والأرض.
ويضيف: "تتميز خيول القنيطرة والجولان بقدرتها العالية على التأقلم مع الظروف الطبيعية القاسية ومقاومة الأمراض، وهي صفات مكنتها من الحفاظ على حضورها رغم التحديات."
ويشير إلى أن لكل جواد سجلات ووثائق تثبت نسبه وأصوله، ما يمنحه قيمة تاريخية ومعنوية، إلى جانب قيمته الاقتصادية.
ثروة وطنية وإرث حضاري
ورغم ما تتطلبه تربية الخيول العربية من جهد وتكاليف مرتفعة، فإن المربين ما زالوا ينظرون إليها بوصفها جزءًا من هويتهم الثقافية.
فقد ارتبطت الخيل في الجولان والقنيطرة، عبر عقود طويلة، بقيم الفروسية والكرم والشجاعة، وحضرت في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية، لتبقى رمزًا للأصالة في وجدان أبناء المنطقة.
من جانبه، يؤكد مدير مديرية الخيول في وزارة الزراعة، الدكتور عبد الرزاق دحروج، لمدونة وطن، أن الخيول العربية السورية ليست مجرد سلالة مميزة، بل إرث حضاري وثقافي حافظ السوريون على نقاء دمائه عبر الأجيال.
ويضيف: "إن العلاقة التاريخية بين الخيل والعشائر والمجتمع العربي جعلت منها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية السورية." موضحًا أن النظرة الحديثة لتربية الخيول لم تعد تقتصر على حماية التراث، بل أصبحت تشمل أيضًا الحفاظ على ثروة وطنية ذات قيمة اقتصادية وتنموية.
ويؤكد أن وزارة الزراعة تعمل ضمن خطة وطنية لتطوير هذا القطاع، تتضمن تسجيل الخيول العربية وتوثيق أنسابها، وسحب العينات الوراثية، وإصدار جوازات السفر الخاصة بها، إلى جانب تطوير الخدمات الصحية البيطرية، وتهيئة الظروف الكفيلة بعودة سوريا إلى المشاركات والفعاليات الدولية، بما يضمن صون هذا الإرث العريق وتعزيزه للأجيال المقبلة.
كودنة... قرية عادت لتحرس إرثها
تقع قرية كودنة في محافظة القنيطرة، على أرض بركانية منبسطة شمال تل الأحمر الشرقي وغرب وادي الرقاد، احتلتها إسرائيل عام 1967، وهُجّر سكانها إلى دمشق ومحيطها، قبل أن تعود إلى السيادة السورية عام 1973، ليعود إليها عدد من أبنائها ويستأنفوا الحفاظ على ما بقي من تراثها.
واليوم، لا تزال مرابط كودنة شاهدة على تاريخ طويل من الفروسية العربية، حيث يمتزج صهيل الخيل بذاكرة المكان، في حكاية تؤكد أن الحفاظ على الخيل العربية الأصيلة ليس مجرد هواية أو نشاط اقتصادي، بل مسؤولية وطنية وثقافية تحفظ جزءًا من هوية الجولان وتراثه الممتد عبر القرون.
