تواصل الجاهات الاجتماعية في الجولان أداء دورها بوصفها إحدى أبرز المؤسسات العرفية العربية التي حافظت على تماسك المجتمع عبر عقود طويلة، إذ لم تكن يومًا مجرد طقس اجتماعي، بل منظومة قيم متكاملة تقوم على الحكمة والهيبة والإصلاح.

وأسهمت هذه الجاهات في حل النزاعات، وإصلاح ذات البين، وتعزيز السلم الأهلي، إلى جانب تنظيم المناسبات الاجتماعية، وفي مقدمتها الخطبة والزواج.

منظومة إصلاح مجتمعي

ويعرّف أمير قبيلة الفضل، طالب الفاعور، الجاهة بأنها وفد من أصحاب المكانة الاجتماعية يُوفد لتحقيق غاية محددة، مثل الصلح، أو طلب العطوة، أو التقدم لخطبة، أو تسوية نزاعات مالية وعشائرية. ويُختار أعضاء الجاهة من أصحاب السمعة الطيبة والحكمة والقدرة على الإقناع، ليكونوا صوت العقل في المواقف الحساسة.

الزميل محمد العمر والوجيه أبو ماهر الربيعي

ويؤكد الفاعور أن الجاهة لم تعد مجرد وساطة اجتماعية، بل تمثل منظومة من القيم العربية الأصيلة، أبرزها الكرم والتضامن واحترام كبار السن، والحفاظ على الروابط الأسرية، مشيرًا إلى أنها تشكل في كثير من الأحيان رافدًا للقضاء الرسمي، وتسهم في احتواء الخلافات قبل تفاقمها.

طقوس تعكس الهيبة والاحترام

الوجيه عدنان الشبول والشيخ ياسين الهودجي

من جانبه، يوضح وجيه الصلح في الجولان عدنان الشبول أن للجاهة مراسم دقيقة تحمل دلالات اجتماعية عميقة، تبدأ باختيار الوجهاء وتحديد موعد يناسب الطرفين، والاتفاق على هدف الزيارة، سواء كان الصلح أو طلب العطوة أو الخطبة، إضافة إلى تجهيز مكان الاستقبال.

ويبين الشبول أن أعضاء الجاهة يدخلون وفق ترتيب يعكس مكانة كبارهم، ويُستقبلون بعبارات الترحيب التقليدية، قبل أن يلقي كبير الجاهة كلمة رسمية يوضح فيها هدف الزيارة. ثم يرد كبير العائلة المستقبلة بكلمة تعكس الحكمة والاتزان، وقد تتضمن الموافقة أو طلب مهلة للتشاور.

الأمير طلال الفاعور

وفي حال كانت الجاهة للصلح، تتم المصافحة بين الأطراف، وتُقرأ الفاتحة، وتُعلن بنود الاتفاق أما في جاهة الزواج، فيُعلن قبول طلب الخطبة، وتُقرأ الفاتحة، وتُحدد الخطوات اللاحقة وتُختتم المراسم بتقديم القهوة العربية التي ترمز إلى تثبيت الاتفاق، وقد تُقدَّم بعدها الحلويات أو الطعام وفق العادات المتبعة.

لكل مناسبة جاهتها

ويشير الوجيه أبو ماهر الربيعي إلى أن الجاهات تتنوع بحسب طبيعة القضية، وتأتي جاهة الصلح في مقدمتها، إذ تُعنى بحل النزاعات الكبرى، مثل قضايا القتل والخلافات المالية ومشكلات الأراضي.

أما جاهة العطوة فتأتي مباشرة بعد وقوع الحوادث، لا سيما في قضايا الدم، بهدف تهدئة النفوس ومنع التصعيد، وتُعد مرحلة تمهيدية تسبق الصلح النهائي.

ويضيف الربيعي أن جاهة الزواج تتميز بطابعها الاحتفالي والرسمي، لما تحمله من رمزية اجتماعية تتجسد في تقديم القهوة وقراءة الفاتحة، بينما تُستخدم جاهة الإصلاح العام لمعالجة الخلافات داخل الأسرة أو بين المجموعات الاجتماعية في القضايا غير المنظورة أمام القضاء.

كما يشير إلى وجود الجاهات الرسمية التي يشارك فيها نواب وشخصيات عامة عند معالجة القضايا الحساسة التي تتطلب حضورًا ووزنًا اجتماعيًا أكبر.

ويؤكد عدد من وجهاء الجولان أن العطوة تختلف عن الجاهة؛ فالعطوة تُؤخذ فور وقوع المشكلة لوقف الفتنة واحتواء التوتر، بينما تأتي الجاهة لاحقًا لإبرام الصلح وإعلان الاتفاق النهائي، ما يجعل الأولى إجراءً وقائيًا، والثانية إجراءً تصالحيًا ورسميًا.

مرجعية اجتماعية راسخة

بدوره، يؤكد الحاج أبو عمر ياسين الهودجي أن الجاهات ما زالت تحظى بحضور قوي في مختلف التجمعات السكانية، رغم تغير الظروف الاجتماعية، باعتبارها من الموروثات الإيجابية التي تعزز المحبة والتوافق بين الناس.

ويلفت إلى أن كل منطقة تضم رجالًا عرفوا بالحكمة والإصلاح، يبادرون طوعًا إلى التدخل في الخلافات، أو يُكلفهم أحد الأطراف بذلك، خاصة في القضايا المعقدة، حيث ما زال الوجهاء يشكلون مرجعية اجتماعية تحظى باحترام مختلف الأطراف.

القضاء العشائري ودعم رسمي

ويرى المحامي والباحث أكرم العلي أن القضاء العشائري لا يزال يؤدي دورًا مهمًا في المصالحة المجتمعية، ويحظى بدعم السلطات الوطنية باعتباره ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي.

ويؤكد العلي أن الوجاهة مسؤولية اجتماعية تتطلب الحكمة والعدل والقدرة على الإقناع وحسن الخطاب، معتبرًا أنها تمثل "زكاة اجتماعية" يقدّمها الوجهاء خدمةً للمجتمع وإصلاحًا لذات البين.

ويضيف أن شخصيات رسمية تشارك اليوم في بعض الجاهات لتسهيل الوصول إلى حلول تتوافق مع القوانين النافذة، بما يعزز التكامل بين الأعراف الاجتماعية ومؤسسات الدولة.

إرث يتجدد

ورغم التحولات الاجتماعية والقانونية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، ما تزال الجاهة في الجولان تمثل نموذجًا عربيًا أصيلًا في إدارة الخلافات بالتراضي والحوار، وتسهم في ترسيخ قيم التسامح والاحترام والتكافل بفضل ما تتمتع به من مكانة اجتماعية ودعم رسمي.

و تواصل الجاهات أداء رسالتها في حماية السلم الأهلي، مؤكدة أن الكلمة الطيبة والحكمة لا تزالان من أنجع وسائل الحفاظ على تماسك المجتمع.