منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ المرضى بالتوافد إلى مقر مؤسسة ثمر الخيرية في مدينة القامشلي حيث يجلس في قاعة الانتظار رجال ونساء وأطفال، يحمل كل منهم ملفًا طبيًا وحكاية مختلفة، لكنهم يشتركون في شيء واحد"البحث عن فرصة للعلاج بتكاليف يستطيعون تحملها" .

خلف المكتب، يعمل متطوعون على استقبال المراجعين، بينما تتنقل الإحالات الطبية بين الأطباء والمخابر والصيدليات والمشافي.

المشهد يبدو أقرب إلى خلية نحل لا تهدأ، في مؤسسة لم يمضِ على انطلاقها سوى أشهر قليلة، لكنها تمكنت من فرض حضورها في المشهد الإنساني والخدمي بالمدينة.

المحامية خلود احمد متطوعة في المؤسسة

حلم تحول إلى واقع

أيمن النويصر رئيس مجلس الادارة

لم يكن تأسيس المؤسسة أمرًا سهلًا، كما يروي أيمن النويصر، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، لمدونة وطن قائلا: أن الفكرة ولدت من رغبة مجموعة من الشباب في تقديم نموذج مختلف للعمل الخيري واستلهمت فكرتها من تجارب خيرية ناجحة، لكنها سعت إلى تطويرها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع المحلي، ليصبح المريض محور عملها الأول.

وأضاف..كانت أصعب مراحل التأسيس بناء الثقة وإبرام التعاقدات مع الأطباء والمنشآت الطبية، لكن الإصرار على خدمة الناس كان أكبر من كل العقبات.

من أنشطة المؤسسة

خدمات طبية من القامشلي إلى دمشق

داخل المؤسسة، لا تنتهي رحلة المريض عند الحصول على إحالة طبية، بل تبدأ منها.

كما يوضح فاروق النويصر، المنسق الطبي: أن المؤسسة نسجت خلال فترة قصيرة شبكة واسعة من الشراكات الطبية، تضم نحو 80 طبيبًا في القامشلي وأكثر من 300 طبيب في مختلف المحافظات السورية، إضافة إلى مخابر للتحاليل الطبية، ومراكز للتصوير الشعاعي، وصيدليات، ومشافٍ متخصصة.

ويشير إلى أن بعض الحالات المعقدة تُحال إلى دمشق لاستكمال العلاج، في محاولة لتأمين أفضل رعاية ممكنة للمرضى.

800 عملية جراحية خلال أشهر

الأرقام التي حققتها المؤسسة خلال أشهر قليلة تبدو لافتة.

فقد ساهمت في إجراء أكثر من 800 عملية جراحية داخل القامشلي ودمشق، تنوعت بين العمليات العامة والجراحات الدقيقة، ووصلت إلى عمليات معقدة مثل جراحة قلب الأطفال وفتح الصدر.

ولا تقتصر المساعدة على التنسيق الطبي، بل تشمل دعمًا ماليًا مباشرًا؛ إذ يحصل المرضى على حسومات تصل إلى 50% على أجور المعاينات، بينما ترتفع نسبة الدعم في العمليات الجراحية إلى 80%، وفي بعض الحالات تتحمل المؤسسة كامل تكاليف العلاج بالتعاون مع الطبيب والمشفى.

إلى جانب المرضى حتى نجاح العلاج

ويستقبل مقر المؤسسة يوميًا نحو 80 مريضًا، يتابع فريقها الطبي والإداري ملفاتهم حتى انتهاء رحلة العلاج، بما يشمل التحاليل والصور الشعاعية والأدوية، وحتى إدخالهم إلى المشافي عند الحاجة.

بين المراجعين، تجلس أم خالد وهي تحمل كيسًا صغيرًا من الأدوية.

تقول: إن الجيران أخبروها عن المؤسسة بعد أن عجزت عن تحمل تكاليف العلاج واضافت.. راجعت المؤسسة، وحصلت على حسم نصف قيمة المعاينة، ثم حولوني إلى المخبر لإجراء التحاليل، وبعدها إلى الصيدلية لصرف الدواء. أكثر ما لفتني حسن المعاملة والشعور بأن هناك من يهتم بمعاناتنا."

وفي زاوية أخرى، يروي أبو حيدر قصته مع علاج ابنه الذي احتاج إلى عملية جيوب أنفية.

يقول: "تكاليف العملية كانت فوق قدرتي، لكن المؤسسة تكفلت بتأمين الحسومات على المعاينة والتحاليل والدواء والعملية، ما خفف عني عبئًا كبيرًا،وأكد أن هناك مرضى كثيرون وجدوا في ثمر فرصة حقيقية للعلاج."

خدمات قانونية للمحتاجين

ورغم أن الطب يمثل العنوان الأبرز لعمل المؤسسة، فإن نشاطها لا يتوقف عند أبواب المشافي ففي أحد المكاتب، يعمل فريق من المحامين المتطوعين على إعداد قاعدة بيانات خاصة بالمعاملات القانونية.

وتوضح المحامية خلود أحمد في حديثها لمدونة وطن أن الفريق يعمل على متابعة معاملات تسجيل الولادات وتثبيت الزواج، وتقديم الاستشارات القانونية للأسر المحتاجة، في ظل استمرار تعطل عمل بعض الدوائر العدلية في المحافظة.

وتؤكد أن كثيرًا من العائلات تضطر إلى السفر لمحافظات أخرى لإنجاز معاملاتها، ما يضيف أعباء مالية جديدة، وهو ما تسعى المؤسسة إلى تخفيفه.

مبادرات إنسانية متنوعة

ولم تكتفِ المؤسسة بالخدمات الطبية والقانونية، بل نفذت سلسلة من المبادرات الإنسانية.

ففي ريف القامشلي الجنوبي، أطلقت مبادرة "أمان" لتغطية نحو 50 بئرًا مكشوفة لحمايةً للأطفال والمزارعين.

كما وزعت أدوية مجانية للأطفال المرضى، ونظمت جلسات علاج فيزيائي، وقدمت كراسي متحركة للعجزة وذوي الإعاقة، إضافة إلى توزيع الألبسة على الأطفال خلال الأعياد.

وفي الوقت ذاته، تعمل على تطوير قاعدة بيانات لمرضى السرطان والتلاسيميا وزراعة الحلزون، بهدف ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر تنظيمًا.

خطط للتوسع في الريف

ولا تبدو طموحات المؤسسة متوقفة عند ما تحقق حتى الآن.

فهي تستعد لافتتاح مركز إحالة طبي في ناحية تل حميس، بريف الحسكة يختصر على المرضى عناء التنقل، ويوفر لهم الإرشاد الطبي قبل مراجعة الأطباء.

كما تعمل على إنشاء مركز طبي متكامل في قرية الكيكة بريف القامشلي الجنوبي، يضم عيادات اختصاصية، ومخبرًا، وصيدلية، وخدمات تشخيصية، على أن يعمل على مدار الساعة، مع الحفاظ على أجور رمزية لا تتجاوز 20 ألف ليرة سورية للمعاينة.

خمسون متطوعًا... ورسالة واحدة

وراء هذا الحراك يقف أكثر من 50 متطوعًا يعملون بلا مقابل مادي، يجمعهم إيمان بأن التطوع ليس مجرد عمل خيري، بل مسؤولية تجاه مجتمع أنهكته الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف العلاج.

وفي مدينة أنهكتها سنوات الحرب والأزمات، تبدو "ثمر" أكثر من مجرد مؤسسة خيرية؛ إنها محاولة لإعادة شيء من الطمأنينة إلى المرضى، وإثبات أن مبادرات شبابية صغيرة يمكن أن تتحول، بالإرادة والعمل، إلى شبكة أمان حقيقية تمتد من غرفة المعاينة إلى غرفة العمليات، ومن يد المتطوع إلى كل مريض ينتظر فرصة جديدة للحياة.