قبل أن تُسجَّل حكايات الشمال السوري في الكتب والمخطوطات، كانت صخور جبل الزاوية قد سبقتها إلى حفظ ذاكرة المكان.
ففي جنوب محافظة إدلب، يقف الجبل شاهدًا على آلاف السنين من التاريخ الإنساني، فيما تحتفظ كهوفه ومغاوره بآثار الحضارات التي تعاقبت على المنطقة، لتشكّل سجلًا طبيعيًا وأثريًا مفتوحًا يروي تفاصيل الحياة عبر العصور.
ويصف الدكتور "مصطفى سماق"، أستاذ الآثار الإسلامية ومدير مكتب التوثيق الأثري في أريحا، جبل الزاوية بأنه "أرشيف طبقي مفتوح"، موضحًا أن طبقاته الصخرية تعكس مراحل تاريخية متعاقبة، فيما تجسّد المغاور تطور علاقة الإنسان بالمكان واستخداماته المختلفة عبر الزمن.
ويقول "سماق": "لا يمكن النظر إلى جبل الزاوية باعتباره منطقة طبيعية فحسب، فكل مغارة فيه تحكي جانبًا من حياة الإنسان، بدءًا من الاستيطان الأول، مرورًا باستخدامها للسكن والحماية والتخزين، وصولًا إلى الأغراض الدينية والرهبانية والزراعية".
ويضيف أن الإنسان القديم لم يكتفِ بالمغاور الطبيعية، بل عمد إلى توسيعها ونحتها لتصبح جزءًا من نمط الحياة السائد آنذاك، مستفيدًا من الحماية والموارد التي وفرتها البيئة الجبلية.
وتعود كثافة الكهوف في المنطقة، بحسب "سماق"، إلى طبيعتها الجيولوجية الغنية بالحجر الجيري، وهو من الصخور القابلة للتآكل بفعل المياه والرياح، ما أدى، عبر آلاف السنين، إلى تشكّل شبكة واسعة من التجاويف والممرات الطبيعية، لا يزال بعضها مجهول الأعماق حتى اليوم.
من مساكن الإنسان إلى خزائن الحضارات
تؤكد الشواهد الأثرية أن منطقة جبل الزاوية كانت مأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ، ويشير الصحفي "علام العبد"، من محافظة إدلب، إلى أن العصرين الروماني والبيزنطي شهدا أوج ازدهار المنطقة مع نشوء القرى الزراعية والدينية التي أصبحت اليوم جزءًا من مواقع "المدن المنسية" في شمال سوريا، ومن أبرزها البارة وسرجيلا ورويحة وشنشراح.
ويقول "العبد" إن الكهوف خلال تلك الحقبة لم تكن مجرد مساكن، بل شكّلت عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، حيث استُخدمت مخازن للحبوب والزيوت والنبيذ، وملاجئ للحماية، كما ارتبط بعضها بالحياة الرهبانية والأنشطة الدينية.
من جهته، يؤكد الدكتور "سماق" أن النشاط الاقتصادي لسكان جبل الزاوية اعتمد بصورة رئيسية على زراعة الزيتون والكرمة والزراعة البعلية، الأمر الذي منح المغاور أهمية خاصة.
ويضيف: "وفرت الكهوف درجات حرارة مستقرة ساعدت على حفظ المؤن، واستُخدمت لتخزين الحبوب والزيوت، كما احتوت بعض المغاور على معاصر حجرية تقليدية، ما جعلها جزءًا أساسيًا من دورة الإنتاج الزراعي في الريف القديم".
بين صمت الرهبان وهيبة المدافن
وخلال العصر البيزنطي، ارتبطت مغاور جبل الزاوية بالحياة الرهبانية المسيحية، إذ وجد فيها الرهبان والنساك بيئة مناسبة للعزلة والتأمل والعبادة.
ويشير "سماق" إلى أن بعض الكهوف لا تزال تحتفظ بشواهد من تلك المرحلة، من بينها محاريب منحوتة في الصخر، وغرف صلاة صغيرة، وأماكن للنوم الجماعي، فضلًا عن رموز دينية بسيطة تعكس جانبًا من التراث المسيحي المبكر في شمال سوريا.
ومن أبرز المواقع الأثرية في المنطقة "مدافن القنطرة" الواقعة على الطريق الواصل بين أريحا وجبل الأربعين، والتي سُمّيت بهذا الاسم لارتفاعها عن مستوى الطريق.
ويوضح "سماق" أن هذه المدافن ضمت شخصيات بارزة، من بينها المستشار البيزنطي والقائد العام "ألكسندر روس" عام 422م، والمهندس المعماري والقائد "مالكوس بن ميتاندروس" عام 421م، إضافة إلى مدافن أخرى تقع شرقي مدينة أريحا وتعود إلى القرن الرابع الميلادي.
مغاور تحرس الحكايات
ولا تزال العديد من المغاور تحتفظ بقيمتها التاريخية حتى اليوم، ومن أبرزها مغارة "معترم" قرب أريحا، التي تبدو كقلعة محفورة في الصخر، وتضم قاعات واسعة وغرفًا حجرية وبئرًا للمياه ومحرسًا للمراقبة.
كما اشتهرت بعض المغاور بوظائفها العسكرية، ومن أبرزها حصن "سرفوت" شمال قرية شنان في محيط جبل الأربعين، والذي استخدمه المقاتلون المسلمون مركزًا للرصد والإعداد خلال الحروب الصليبية في القرن الخامس الهجري.
ومن المواقع المعروفة أيضًا كهف "الأربعين" في قمة جبل الأربعين، الذي ارتبط بالمسيحيين الفارين من الاضطهاد الديني في القرن الرابع الميلادي، إضافة إلى مغارة "رمضان" شرقي أريحا، التي تعود إلى الفترة التاريخية نفسها.
ويلفت الدكتور "سماق" إلى وجود مغاور أخرى لعبت أدوارًا اجتماعية مختلفة، من بينها دير عصفورين قرب قرية كفرجوم، حيث لجأ أحد زعماء الإسماعيلية في القرن الخامس الهجري هربًا من ملاحقة القرامطة.
ويضيف: "هناك أيضًا مغارة الدرة الواقعة في سفح جبل الأربعين، والتي يقطر سقفها بالماء باستمرار، وتحيط بها روايات شعبية متوارثة، من بينها اعتقاد قديم بأن المرأة التي لا تنجب إذا شربت من مائها رُزقت بالأبناء".
حين عاد التاريخ إلى أعماق الجبل
ويؤكد الصحفي "علام العبد" أن الكهوف كانت، على الدوام، ملاذًا لسكان المنطقة خلال فترات الاضطراب والغزوات، موضحًا أن أهالي جبل الزاوية اعتادوا اللجوء إليها لحماية أنفسهم وممتلكاتهم ومؤنهم، ما جعلها جزءًا راسخًا من الذاكرة الجمعية للسكان.
ويقول العبد: "خلال سنوات الحرب السورية، استعادت المغاور دورها التاريخي من جديد، إذ لجأت إليها عائلات كثيرة هربًا من القصف، وتحولت بعض الكهوف إلى ملاجئ ومدارس ميدانية ومراكز إسعاف مؤقتة، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة مختلفة".
أسرار لم تُكشف بعد
ورغم القيمة التاريخية والأثرية الكبيرة لهذه المواقع، لا يزال جزء واسع من كهوف جبل الزاوية خارج نطاق الدراسات الأثرية الشاملة.
ويقول "عمران الأشقر"، أحد أبناء المنطقة: "لا تزال هناك مغاور كثيرة يصعب الوصول إليها بسبب وعورة التضاريس، كما أن غياب مشاريع التنقيب المنتظمة حال دون الكشف عن كثير من أسرارها".
ويضيف "الأشقر" أن بعض الباحثين يرجحون وجود ممرات مترابطة بين التلال وكهوف مغلقة تحتوي على طبقات أثرية لم تُكتشف بعد، وربما مواقع دفن ما تزال تنتظر من يكشف عنها.
ذاكرة تقاوم النسيان
وتواجه مغاور جبل الزاوية اليوم مخاطر الإهمال والتخريب، في ظل غياب مشاريع كافية للتوثيق والترميم والحماية، ومع ذلك ما تزال هذه الكهوف تقف شاهدة على آلاف السنين من التاريخ، حاملةً بين جدرانها قصص الرهبان والفلاحين والقادة وسكان المنطقة الذين مروا من هنا عبر العصور.
وفي كل مغارة منحوتة داخل الصخر تختبئ حكاية لم تُروَ كاملة بعد، فيما تبقى الحجارة الصامتة واحدة من أكثر الشواهد صدقًا على تاريخ الشمال السوري، الذي قاوم الزمن والحروب، وحفظ ذاكرته في أعماق جبل الزاوية.
