شهدت مدينة حمص انطلاق فعاليات "مهرجان حمص المسرحي 2026" في خطوة ثقافية لافتة تهدف إلى إعادة تنشيط الحركة المسرحية في المدينة، وتأكيد حضور المسرح كجزء أصيل من المشهد الثقافي السوري، رغم ما رافق المهرجان من تساؤلات حول غياب الفرق المسرحية الحمصية وضعف الحضور الجماهيري المحلي.

امتداد للاسم.. واختلاف في التجربة

وجود الدعم له أثر إيجابي كبير، خصوصاً في ظل غياب الدعم الحكومي المرتبط بموازنات المؤسسات الثقافية

وأوضح مدير المهرجان، الكاتب والباحث المسرحي عبد الكريم عمرين،في حديثه لمدونة وطن أن عدم مشاركة الفرق المسرحية الحمصية يعود إلى مجموعة من الشروط التنظيمية التي وُضعت للمشاركة، وفي مقدمتها أن يكون العرض المسرحي المقدم جديداً ويُعرض للمرة الأولى، وهو ما لم يتحقق لدى غالبية الأعمال المتقدمة. وأضاف أن بعض الفرق انسحبت لأسباب تتعلق بضيق الوقت أو ظروف خاصة، فيما رُفضت نصوص أخرى لعدم استيفائها المعايير الفنية المطلوبة، إلى جانب اعتذار بعض المخرجين بسبب ارتفاع التكاليف الإنتاجية مقارنة بالإمكانات المالية المحدودة للمهرجان.

المخرج ابراهيم سرميني

وأكد عمرين أن المهرجان، رغم التحديات، يمثل بداية جديدة ومهمة للحراك المسرحي في المدينة، معرباً عن أمله في أن يشكل انطلاقته الحالية بوابة لعودة مهرجانات ثقافية وفنية أخرى مستقبلاً.

وحول الجدل الذي أثير بشأن علاقة المهرجان الحالي بتاريخ "مهرجان حمص المسرحي" الذي انطلق قبل نحو أربعة عقود، أوضح عمرين أن المهرجان التاريخي سيبقى جزءاً من ذاكرة المدينة الثقافية، بغض النظر عن الجهات المنظمة أو المسميات، مؤكداً أن المسرح في حمص ليس حكراً على جهة بعينها.

من العروض المسرحية

وأشار إلى أن انطلاق الدورة الحالية واجه تحديات مالية كبيرة حتى الأيام الأخيرة، قبل أن تسهم جمعية إنجي الخيرية في دعم تنظيمه، ما أتاح مشاركة فرق مسرحية من عدة محافظات سورية.

المسرح كفعل ثقافي مستدام

من جانبه، أكد مدير ثقافة حمص محمود جرمشلي لمدونة وطن أن المهرجان لا يمثل فعالية عابرة، بل يأتي ضمن رؤية ثقافية تسعى إلى ترسيخ فعل مسرحي مستدام يعيد لحمص حضورها الفني والثقافي، ويعزز مكانتها بوصفها مدينة للثقافة والفنون والمعرفة.

مدير المهرجان عبد الكريم عمرين

وأوضح أن تنظيم المهرجان جاء انطلاقاً من الإيمان بأهمية المسرح كمنبر ثقافي قادر على التعبير عن القضايا الوطنية والاجتماعية، مشيراً إلى تشكيل لجنة فنية متخصصة ضمت نخبة من المسرحيين، من بينهم حسن عكلا وعبد الكريم عمرين وأفرام دافيد، لتقييم النصوص واختيار الأعمال المشاركة.

وشدد جرمشلي على أن المهرجان الحالي ليس امتداداً تنظيمياً للمهرجانات السابقة، بل مبادرة جديدة أطلقتها مديرية الثقافة بهدف منع غياب المسرح عن المشهد الفني، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة لتطوير مهاراتها تحت إشراف فنانين ومخرجين ذوي خبرة.

مشاركات متنوعة ورسائل إنسانية

الممثل والمخرج زيناتي قدسية ، الذي قدم عرض "سيد الخشبة"، رأى أن هذه الفعاليات تمثل ضرورة حيوية للمشهد المسرحي، وقال: «هذه المهرجانات تحفّز الفرق على إنتاج عروض إبداعية، كما تشجع الجمهور على العودة إلى المسرح بعد سنوات الحرب، وتمنح الطاقات الشابة فرصة حقيقية للنمو والاستمرار».

أما المخرج هاشم غزال، الذي شارك بعرض "المهاجران"، فأكد أهمية الدعم المادي في استمرار العمل المسرحي، مشيراً إلى أن: «وجود الدعم له أثر إيجابي كبير، خصوصاً في ظل غياب الدعم الحكومي المرتبط بموازنات المؤسسات الثقافية».

وفي ختام المهرجان، لاقى عرض "تحت الصفر" لفرقة "حلم" من إدلب تفاعلاً واسعاً، حيث قال مخرجه إبراهيم سرميني «تناول العرض القضية الأكثر إيلاماً في حياة السوريين، وهي قضية المعتقلين والمغيبين قسرياً، ومشاركتنا في مهرجان حمص فرصة مهمة نظراً إلى مكانته التاريخية في الحركة المسرحية السورية».

وفي اليوم الرابع، قدمت فرقة من طرطوس عرض "القارب" للمخرج عصام علام، متناولاً قضية هجرة الشباب السوري، كما شهد اليوم الثاني عرض "بورتريه" للفنان محمد الشعراني بمشاركة الفنانة الشابة جودي الشعراني.

أول مهرجان بعد التحرير

ويُعد "مهرجان حمص المسرحي 2026" أول مهرجان مسرحي يُقام في المدينة بعد التحرير، إذ انطلقت عروضه في 17 أيار، حاملاً رسالة واضحة مفادها أن المسرح، رغم كل الظروف، سيبقى حاضراً في وجدان المدينة ومشهدها الثقافي.