في الجنوب الغربي من مدينة القنيطرة، وعلى مسافة نحو 17 كيلومتراً، كانت تقوم قرية عين السمسم، واحدة من أبرز القرى التركمانية في الجولان المحتل، قبل أن يُدمرها الاحتلال الاسرائيلي في أعقاب حرب حزيران 1967.

بين الجغرافيا والتاريخ

ورغم غيابها عن الجغرافيا اليوم، لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة أبنائها، بما تختزنه من تاريخ عميق وعادات اجتماعية متجذرة، وفق ما وثّقه المؤرخ محمد عيد وشهادات أبناء القرية.

تقع عين السمسم على أرض بركانية منبسطة، تحيط بها قرى تركمانية وعربية شكّلت معها نسيجاً اجتماعياً متقارباً؛ من الشرق القادرية، ومن الغرب السنابر وجرابا، ومن الشمال نعران، ومن الجنوب الأحمدية وفاخورة.

منظر عام للقرية

ويشير المؤرخ محمد عيد في حديثه لمدونة وطن إلى أن جزءاً من القرية بُني فوق خربة قديمة، ما يفسّر كثرة الآثار المنتشرة في محيطها، ويعكس عمقها التاريخي حيث تكشف اللقى الأثرية في عين السمسم عن تعاقب حضارات عدة، إذ تضم بيوتاً حجرية تعود للعهدين البيزنطي والروماني، مزينة بأقواس منقوشة بزخارف نباتية وأوراق نخيل.

كما عُثر على نقوش فريدة، من بينها رسم لرجل يقف بين أسد ولبوة ترضع شبلاً، إضافة إلى كتابات يونانية وصلبان في موقع “الدهشة” شمال شرق القرية وتدل هذه الشواهد، بحسب عيد، على أن المنطقة كانت محطة حضارية مأهولة منذ قرون طويلة.

الحاج ابراهيم الخليل

الحياة الاجتماعية والاقتصادية

يروي الحاج إبراهيم الخليل (72 عاماً)في حديثه لمدونة وطن أن سكان القرية اعتمدوا على الزراعة البعلية، وزراعة الخضروات والبطيخ والسمسم باستخدام مياه الينابيع، إلى جانب تربية الأبقار والأغنام والماعز وكانت مزرعة “دير الراهب” جزءاً من النشاط الزراعي، فيما شكّل الطريق المعبّد بين القنيطرة والسنابر شرياناً اقتصادياً مهماً.

قوس أثري في القرية

ويتحدث عن العادات الاجتماعية التي كانت سائدة قائلا: تميّزت أعراس عين السمسم بطقوسها الفريدة، حيث تُؤدى الدبكات التركمانية السريعة، إلى جانب رقصة "الهالاي" الجماعية، ويُزف العريس على الخيل في مشهد يعكس الفروسية والشجاعة.

أما ليلة الحنّة، فتُعد مناسبة تراثية تُزيَّن فيها العروس وتُغنّى الأغاني التركمانية القديمة ولم تكن الأعراس شأناً عائلياً فقط، بل مناسبة جماعية، إذ تشارك جميع بيوت القرية في إعداد الولائم، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي.

وعند وقوع الوفاة، كانت الموسيقى تتوقف، وتُفتح بيوت العزاء ثلاثة أيام، وتُقدَّم القهوة المرّة كرمز للوقار كما تتكفّل العائلات القريبة والجيران بإعداد الطعام لأهل الفقيد، في مشهد يجسد قيم التكافل والتضامن.

وتحظى القهوة بمكانة خاصة في عين السمسم وباقي قرى الجولان، إذ تُقدَّم في مختلف المناسبات، ويُخصص “فنجان الهيبة” لكبار الضيوف، ضمن بروتوكول اجتماعي يعكس الاحترام والتقدير.

حضور متجذر

يؤكد خالد الخطيب (60 عاماً) أن التركمان قدموا من أواسط آسيا، واستقروا في الجولان لخصوبة أرضه ووفرة مياهه، إضافة إلى موقعه الحيوي قرب الطريق التجاري بين دمشق وفلسطين.

ويشير إلى أن دمشق شهدت حضوراً تركمانياً مبكراً اندمج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ويجمع أبناء عين السمسم على أن التركمان في الجولان حافظوا على هويتهم الوطنية، وتمسكوا بأرضهم رغم ظروف الاحتلال وتحدياته.

ويعدد الحاج الخليل أبرز العائلات التركمانية في القرية، مثل: حمو، عيسى، كريدي، الخطيب، حمد، البيك، الأغا، موسى، مرجان، ساميز، شباط، حودي، وجابر، مؤكداً أن هذه العائلات شكّلت مجتمعاً متماسكاً حافظ على لغته وعاداته.

لم تكن عين السمسم مجرد قرية دُمّرت في حرب، بل كانت نموذجاً لمجتمع تركماني سوري متكامل، جمع بين التاريخ والعمل والعادات والتقاليد.

واليوم، ما تزال حكايتها حيّة في وجدان أبنائها، كأنها لم تغب يوماً عن خريطة الروح، بل بقيت شاهداً على هوية متجذرة لا تمحوها الجغرافيا.