تعد مدينة "حلب" ومنذ القدم واحدة من أكبر وأهم المدن السورية، لذا كانت حاجتها للمياه كبيرة وضرورية للشرب أولاً، ولإرواء الأراضي الزراعية والمواشي ثانياً، ومع مرور الزمن وتبدلاته تنوعت طرق استجرار المدينة للماء، فقديماً اعتمدت في تلبية حاجتها المائية على الينابيع القريبة والقناطر، ومنها كان الاستجرار من "قناة حيلان" والتي تبعد عن المدينة بحدود 15 كم، وأيضاً نبعتا "عين التل وعين العصافير"، ومع ازدياد عدد السكان لم تعد تلك الأقنية المذكورة تلبي الحاجة، فوقعت المدينة بضائقة مائية كبرى، وكان لابد من التوجه نحو الاستجرار من مياه نهر الفرات، وتم ذلك على عدة مراحل.

أرقام وتواريخ

يستعرض الباحث التاريخي المحامي "علاء السيد" في حديثه لموقع "مدونة وطن" "eSyria" أبرز المحطات المائية التي مرت بها المدينة وتواريخ ومراحل دخول المياه إليها، ويقول: "حاجة مدينة "حلب" للمياه ظاهرة تاريخية، فقد كانت مياه نبعة "حيلان" هي المصدر الرئيسي بالإضافة إلى مياه الآبار والصهاريج منذ أيام الآشوريين، ثم أضيفت إليها مياه نهر قويق ونهر الساجور وعين التل، ولكن معظم هذه الأنهار الموجودة في ذلك الوقت والمناطق المحيطة بالمدينة كانت من الأنهار الموسمية التي تعتمد على مياه الأمطار وتشحّ في فصل الصيف".

ويشير إلى أنه ونتيجة تحويل "تركيا" لمياه "نهر قويق" والذي ينبع من أراضيها وجفاف مياه نهر الساجور سابقاً وجفاف منابع مياه قناة "حيلان" في عشرينيات القرن الماضي، وانقطاع المياه الصالحة للشرب عن معظم سكان المدينة، أصبح الأهالي يعانون من الظمأ، واتبع في وقتها نظام قاس لتقنين المياه فيها لضمان وصولها للجميع ولو بكميات محدودة بمياه صالحة للشرب والإرواء.

صورة من ارشيف المحامي علاء السيد لشق قناة مياه حيلان .

بعد ذلك، يقول الباحث: "منحت الشركة الفرنسية (شركة الكهرباء والنقل) بلدية "حلب" اتفاقية امتياز لتأمين المياه إلى مدينة "حلب"، والعمل على تحسين ينابيع مياه عين التل مع تمديد شبكة المياه منها إلى داخل بعض البيوت والأحياء وسط المدينة، وكان ذلك عام 1929، وتم البدء بتركيب عدّادات المياه وكانت كمية المياه التي تصل إليها من عين التل تبلغ حوالي 12 ألف متر مكعب يومياً، بينما حاجة المدينة تزيد على 30 ألف متر مكعب يومياً".

خلال فترة الأربعينيات من القرن الماضي عانت مدينة "حلب" من أزمة شديدة في المياه، واتبع نظام تقنين أشدّ وأقسى من السابق في توزيع المياه لأن مياه "عين التل" أصبحت عاجزة عن تأمين حاجة المدينة التي أخذت في التوسع العمراني والسكاني، وهنا يشير "السيد" إلى أن الحكومة الوطنية والمجلس النيابي وبعد حصول "سورية" على الاستقلال، قامت بإصدار قانون خاص في عام 1947  لمشروع جر مياه الفرات إلى مدينة "حلب"، وفي السنة التالية تم تكليف الشركة الإنكليزية (ألكساندر جيب)، بأعمال المسح الجوي لأراضي مناطق الفرات التي سيعبر فيها المشروع وقدمت تقريرها في نفس العام، وبعد ذلك تم مباشرة الأعمال التمهيدية للمشروع.

صورة لحنفيات الماء المعدنية التي كانت موجودة باغلب الاحياء القديمة قبل زوالها.

الفرات بالأوزون

الباحث التاريخي المحامي "علاء السيد - والمهتم بتاريخ حلب حمدي قواف.

ويضيف الباحث "السيد" أنه وفي بداية عام 1952 تولى المرحوم "نادر القدسي" منصب المدير العام ورئيس مجلس إدارة مشروع جر مياه الفرات إلى مدينة "حلب"، فضاعف جهوده لتنفيذ مشروع الاستجرار، وجعل هذا المشروع الحيوي الضخم ينطلق إلى الحياة وبذل جهداً كبيراً بمؤازرة من مجلس الإدارة وموظفي ومستخدمي ومهندسي وعمال المشروع، حتى تم إنجاز المرحلة الأولى منه في وقت قياسي وبشكل مطابق للمواصفات الفنية العالمية، وكان المشروع يتألف أساساً من ثلاث مراحل، الأولى باستجرار كمية 30 ألف متر مكعب يومياً من مياه نهر الفرات إلى مدينة "حلب" كمصدر دائم وغزير وعذب لمياه الشرب، ومجموع كميات المياه المستجرة بعد انتهاء المراحل الثلاث 90 ألف متر مكعب يومياً، ويتم ذلك بواسطة رفعها من نهر الفرات بالمحركات، ومن ثم دفعها في قناة ضخمة جداً وهي قناة الجر الأولى بطول 90 كيلو متراً تقريباً حتى تصل لمدينة "حلب"، وتتم التصفية والتعقيم في مبنى المحطة الأولى في "حي باب النيرب" والتعقيم بواسطة مادة الأوزون، لتكون الشهباء آنذاك رابع مدينة في العالم تعقم مياه الشرب فيها بالأوزون.

ويوضح "السيد" كيف تم تدشين المرحلة الأولى من مشروع جر المياه إلى مدينة "حلب" عام 1955 في حفل حاشد مهيب حضره رئيس الجمهورية آنذاك المرحوم "شكري القوتلي" ورئيس مجلس النواب المرحوم الدكتور "ناظم القدسي" وعدد من الشخصيات الرسمية، وبهذه المناسبة أصدرت الدولة مجموعة من الطوابع التذكارية، كما أحدثت مصلحة مياه "حلب" (مؤسسة مياه حلب)، وتتالى تنفيذ المرحلة الثانية والثالثة من قناة الجر الأولى لهذا المشروع، وقام بزيارة وتفقد هذا المشروع الحيوي الحديث في عصره، وذلك بعد إنجازه وتدشينه، العديد من الرؤساء العرب والأجانب،   ومنهم وفي عهد الوحدة الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" وبرفقة الرئيس اليوغسلافي الراحل  "جوزيف تيتو"، وأبدوا إعجابهم به وبضخامته أهميته وكان

ذلك في عام 1960.

الماء والجمال

بدورها تعيد الدكتورة الباحثة "بغداد عبد المنعم" الحديث عن ذكريات أهالي حلب مع المياه، وتقول في كتابها (حلب في أحاديث الماء والجمال): " كان للماء في "حلب" ثلاثة مصادر، اثنان منها طبيعيان والثالث منجز حضاري، أما المصدران المتاحان وغير المنضبطين فهما ماء المطر والينابيع مع الاستفادة من ماء المطر وتجمعيه بخزانات، أما أهم الينابيع التي كانت  موجودة في أحياء حلب فهي "عين التل او البيضاء والعصافير"، ومنهما كان يتم إستجرار المياه للمنازل، وقد دخلت قناة "حيلان" إلى "حلب" من باب قناة "باب الحديد" وتتخذ القناة بين باقي القنوات وضعاً معمارياً مميزاً، وكانت تروي البساتين والأراضي الممتدة بين "حيلان وحلب" ضمن وظيفة إروائية، وكان للجامع الكبير منشآته المائية الضخمة مع الخزانات الخاصة، وقد استأثرت أبواب المدينة بالقساطل الكبيرة وتقديم المياه للعابرين".

ذكريات

"حمدي قواف" مهتم بتاريخ مدينة "حلب" يشير إلى أنه في أيام زمان كان  في كل حي من أحياء "حلب" القديمة، حنفيات للمياه المعدنية مميزة بملمسها الأملس، وعند فتحها كانت تتدفق المياه منها بغزارة.

ويضيف: "كان يحضر موظف العدادات بلباسه الأزرق الأنيق للكشف على ساعات المياه وأخذ رقم العداد، وبعد أسبوع يأتي زميل آخر بنفس الهندام، لتوزيع الإيصالات وقبض ثمنها، ولم تكن قيمة أكبر إيصال تتجاوز حينها خمس ليرات سورية، تدفع مباشرة للموظف الذي كان يحمل حقيبة جلدية يوضع في داخلها الإيصالات، وبعد عناء دورته تتم استضافته أمام إحدى الدور.. كنا نعرف أغلب الجباة ونسألهم عن حالهم وأحوالهم".

تم إجراء اللقاءات والتصوير داخل مؤسسة مياه "حلب" بتاريخ الخامس عشر من شهر تشرين الأول لعام ٢٠٢٢.