يتشاءم الناس لمجرد ذكر اسمه ويمثل هاجساً للكثيرين، ويعد الالتزام بأخذ الدواء للمصابين به عاملاً مساعداً في الشفاء، لكن عملية تأمينه أصبحت تمثل عبئاً على المريض وعلى المستشفى.

للوقوف على واقع الأدوية ومدى توافرها لمرضى السرطان؛ مدونة وطن "eSyria" وبتاريخ 5 آذار 2015، زارت مستشفى "البيروني" فرع "المزة"، وأثناء تواجدنا التقينا الآنسة "مريانا الشحف" لتحدثنا قائلة: «بدأت معاناتي مع السرطان منذ بداية 2013 كنت حينها في العشرين من عمري عندما تم تشخيص المرض في العقد "اللمفاوية"، وبدأت رحلة العلاج ولجأت إلى المستشفى الوطني في "السويداء"، ولكن المرض عاودني بعد الانتهاء من العلاج بمدة قصيرة، فقرر الطبيب إجراء عملية زرع نقي عظم، وعلى الرغم من نجاح العملية إلا أنني انتكست من جديد وبعدها تم تحويلي للعلاج بالأشعة».

المستشفى لا تزال تقدم خدمات كثيرة لمرضى السرطان وتتحمل أعباء لتأمين العلاج لهم، لكن أرجو أن يتوافر الدواء أكثر؛ لأن معظم المرضى ليس لديهم القدرة على تحمل تكاليف العلاج الباهظة في ظل الأوضاع الراهنة

وتضيف "مريانا" قائلة: «بعد الانتهاء من الأشعة لجأت إلى مستشفى "البيروني" لإكمال العلاج لكن واجهتني مشكلة تأمين الدواء، ففي بداية المرض كنت أحصل عليه باستمرار ومجاناً، ولكن اليوم أجد صعوبة بتأمين بعض أنواع الأدوية، فمنذ سبعة أشهر وأنا أتردد إلى المستشفى لأخذ الجرعات وفي بعض الأحيان لا يكون الدواء متوافراً وأضطر لشرائه من خارجها، فهي متوافرة لكنها مرتفعة السعر حيث يبلغ سعرها خمسة وأربعين ألف ليرة سورية، وأنا مضطرة لأخذها كل خمسة عشر يوماً، وهذا ما يمثل عبئاً كبيراً لا أستطيع تحمله لكوني أعمل في مركز للكمبيوتر وأجري لا يفي بربع ثمنه، لذلك لجأت إلى بعض الجمعيات الخيرية لمساعدتي، فنحن لدينا في "السويداء" جمعيات تعنى بمرضى السرطان؛ حيث تقدم نصف ثمن الدواء أو ثمنه كاملاً حسب الوضع المادي للمريض ومدة العلاج التي يحتاج إليها».

غصون عمران

وتكمل "مريانا" بالقول: «المستشفى لا تزال تقدم خدمات كثيرة لمرضى السرطان وتتحمل أعباء لتأمين العلاج لهم، لكن أرجو أن يتوافر الدواء أكثر؛ لأن معظم المرضى ليس لديهم القدرة على تحمل تكاليف العلاج الباهظة في ظل الأوضاع الراهنة».

الآنسة "غصون عمران" إحدى المصابات بالسرطان تقول: «أجريت عملية استئصال ثدي منذ عشرة أشهر في مستشفى "العيادات الشاملة" في "حمص" وهذه المرة الأولى لي في مستشفى "البيروني" لكني فوجئت بعدم توافر الدواء؛ لذلك كنت مضطرة لشرائه من خارج المستشفى بمبلغ خمسة عشر ألف ليرة، وهذا رقم كبير بالنسبة لي لكوني لا أعمل والوضع المادي في البيت لا يساعدني على ذلك، خصوصاً أن زوجة أخي تعاني من نفس المرض، وهي كذلك بحاجة إلى العلاج في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها جميعاً».

الدكتورة منال قهوجي

وعن كيفية تأمين الدواء في ظل الظروف التي نعيشها تضيف قائلة: «هناك أشخاص من أهل الخير أعتمد عليهم بتأمين ثمن الدواء، ولكن إذا توقفت مساعدتهم لي في المرات القادمة فلن أستطيع الحصول عليه؛ لذلك أنا اليوم بين أمرين أحلاهما مر: أن لا أستطيع تأمين ثمن الدواء وفي نفس الوقت لا أستطيع إيقاف العلاج، ودائماً أخاف من توقف أهل الخير عن مساعدتي».

"هبة اسماعيل" تعاني من وجود كتلة في الرئة، وعن تجربتها تقول: «منذ بداية اكتشاف المرض لجأت إلى مستشفى "البيروني"، وقيل لي إن الدواء غير متوافر حالياً؛ لذلك لجأت إلى الصيدليات الخارجية، وهنا وقعت تحت رحمتهم حيث كل صيدلاني يضع التسعيرة كما يريد، وحتى اليوم قمت بشراء سبع "جرعات" والدواء غالٍ جداً، وهذا ما ليس لنا قدرة عليه؛ وهو ما اضطرني لترك منزلي مع زوجي وأولادي بسبب الظروف الراهنة، وفقد زوجي مصدر رزقه الوحيد؛ وهو ما دفعني للاستعانة ببعض الأقارب لمساعدتي بتأمين ثمن الدواء، لكنهم اليوم أوقفوا مساعدتهم لي، وهذا ما يجعلني أعيش في هاجس كيفية تأمين المال في المرات القادمة، فأنا مضطرة لأخذ ثلاثة أقراص من الدواء يومياً ثمن كل منها مئتين وأربعين ليرة، وأنا أشتريها من السوق إلى حين تأمينه من قبل المستشفى».

"محمد سجيع" والدتة السيدة "عطية سجيع" تعاني من ورم بالكبد وتخضع اليوم للمعالجة في المستشفى، يقول: «منذ حوالي سنة ونصف السنة ووالدتي تعاني من المرض لجأنا إلى المستشفى وتم إعطاؤها عشر جرعات مجانية، ولكن اليوم هي بحاجة إلى جرعات إضافية، والدواء غير متوافر لذلك كنت مضطراً لشرائه من خارج المستشفى بمبلغ أربعة عشر ألف ليرة سورية، وأنا أتقاضى أجراً شهرياً يقدر بخمسة عشر ألف ليرة سورية، وبعد ثلاثة أسابيع هي بحاجة إلى نفس الجرعة، لذلك من اليوم أفكر بكيفية تأمينها فإذا لم يكن متوافراً في المستشفى بصراحة فلن أتمكن من إعطائها الدواء».

وللوقوف على واقع توافر الأدوية في المستشفى، وما هي المعوقات التي تقف أمام وصوله إلى المرضى، ومن يستطيع الحصول عليه؛ كان لنا لقاء مع الدكتورة "منال قهوجي" طبيبة معالجة في المستشفى، اختصاصية بعلاج الأورام السرطانية، حيث قالت: «أنه لا يخفى على أحد أن الحكومة السورية تتكفل بتأمين الدواء لكل الناس ومجانياً، وهي لم تتوقف عن تقديم المعالجات ولكل المرضى دون استثناء، لكن بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلد، والتي كان لها انعكاسات كثيرة على كل القطاعات، ويعد القطاع الصحي من أكثر المتضررين في ظل الأزمة بسبب العقوبات والحظر الذي فرض علينا أصبح هناك تقصير ببعض الخدمات، ويعد موضوع تأمين الدواء منها».

وتضيف قائلة: «باختصار، نحن نعاني من نقص في الدواء وإدارة المستشفى تحاول أن يكون النقص بأقل ما يمكن وتعمل جاهدة لتأمينه، فالوزارة كانت تستورد الدواء من بعض الدول الأوروبية، ولكن بسبب العقوبات والحظر الجائرين لجأت إلى بعض الدول الصديقة لتزويدها بالدواء، وأنا كطبيبة في المستشفى يمكنني اللعب ببعض البروتوكولات لإعطاء دواء مكان آخر في حال عدم توافره لكيلا أدع المريض دون علاج قدر المستطاع، فالمرضى جميعهم متساوون في حقهم بالحصول على الدواء من دون استثناء، والدولة جادة بتأمينه بالسرعة والإمكانية المتوافرة».