تتمتع الأغنية الشامية بالغزل الناعم، واللحن البسيط، وقد حافظت على استمرارها حفلات النساء الأسبوعية والأعراس، حيث كانت انعكاساً للحالة الاجتماعية السائدة في المجتمع.
مدونة وطن "eSyria" التقت بتاريخ 22 شباط 2014 مدير "معهد الأسد" للموسيقا الأستاذ "هيثم أمين"؛ الذي تحدث بالقول: «تتمتع الأغنية الشامية بالوصف فهي تصف الحالة الموجودة سواء كانت عاطفية أم سياسية أم اجتماعية، كما تتمتع بالغزل الناعم الذي يمثل حالة "حب" سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، أما لحنها فهو دائماً يتمتع بالبساطة، فمن خلال سماعك له يمكن أن تكرره وتندمج معه وتنغّم فيه، فهي تتألف من لازمة موسيقية واحدة يليها مباشرة المقطع الغنائي الأول الذي يطلق عليه اسم "المذهب"، واللحن يتألف دائماً من جملتين ويتركب عليه عدة "كوبليهات" أي مقاطع، وما يميز الأغنية الدمشقية أنها تستخدم كل المقامات الموجودة في "سورية"».
بغياب الحالة الرقابية في الوطن العربي بدأت "إسرائيل" سرقة بعض الألحان ونسبتها إليها وبدؤوا تدوينها وتوثيقها في ظل غياب التوثيق والتدوين العربي
وضرب بعض النماذج:
"يا طيرة طيري يا حمامة.. وانزلي بدمّـر والهامة
هاتيلي من حبي علامة.. هالأســـمر أبو الخـــال
أنا على ديني.. جنّـنتيـــــــني.. على ديني العشق حرام والله".
ويضيف: «هناك أغان تسمى "الطقطوقة"؛ وهي مجموعة من الأغاني الخفيفة والسهلة، ولقد ساعد على انتشار الأغنية الدمشقية سببان: أولهما المجتمع النسائي من خلال حفلات الاستقبال التي كن يقمنها بشكل دوري، فبعد فترة العصر تجتمع النسوة ويقمن بالعزف والرقص والتلحين والغناء مشكلين فرقة موسيقية، وهذا ما ساعد في تشجيع الموسيقا بشكل غير مباشر، والدور الثاني المجتمع الرجالي من خلال "الليليات" التي كانوا يتبادلون فيها الأغاني والشعر علماً أن الجيل القديم كان يعزف ويغني، وهذا ما ساعد في انتقالها وتوارثها من جيل لآخر».
وتابع: «كثير من الأغاني لا نعرف ملحنها أو مؤلفها إنما دونت من خلال الانتقال بالشفاه وبالتوارث، وهذا الانتقال حافظ على هذه الأغاني من ناحية اللحن والكلمات والأداء، فالأغاني القديمة يمكن أن يضاف إليها بعض الآلات الموسيقية وبعض التوزيع دون أن يغير بجوهرها الأساسي شيئاً».
وهناك أيضاً:
"بالي معاك بالي
بالي معاك بالي بالي.. يابو الجبين عالي عالي
وحياة سواد عينيك.. يا حبيبي.. غيرك ما يحلالي".
ثم قال: «بغياب الحالة الرقابية في الوطن العربي بدأت "إسرائيل" سرقة بعض الألحان ونسبتها إليها وبدؤوا تدوينها وتوثيقها في ظل غياب التوثيق والتدوين العربي».
وعن قدم الأغنية الشامية قال: «الأغنية الشامية قديمة لكن فترة ازدهارها تعود إلى مرحلة "أبي خليل القباني" الذي أنشأ المسرح الغنائي وكان له الدور الكبير في التخلص من اللهجة الاستعمارية سواء كانت "التركية أم الفرنسية"؛ لأن الاستعمار يفرض عليك لغة إجبارية وهذا ما عمل عليه "أبو خليل" لإعادة اللغة العربية إلى أفواه الناس».
وعن طريق أداء الأغنية الشامية أشار أستاذ الغناء في المعهد العالي للموسيقا "باسل صالح" قائلاً: «معظم الأغاني الدمشقية تغنى من الأنف وهو ما يشبه التجويد، لكونهم متأثرين بالأغاني الدينية وهذا ما جعل الأغنية في حالة عدم تطور، أما تطور الأغنية الشامية فبدأ مع "أبي خليل القباني" أي منذ نحو مئة عام؛ لأنها إلى اليوم تعدّ العاصمة الدينية للوطن العربي، كما أن الحياء في العصر القديم لم يساعد على انتشارها لأن ذلك يعدّ من الأشياء المعيبة».
وأشار المدرس في المعهد العالي للموسيقا "نزيه أسعد" بالقول: «من المتعارف عليه في طقوس الشام "اجتماع النساء" وهنّ العازفات والمغنيات؛ وهذا أحد مصادر حفاظ الأغنية الشامية فيمكن القول إن أكثر من 80% من الأغاني الشامية أغانٍ نسائية صاغوا كلماتها ولحنوها
ومنها: "ليموني هالليموني.. ليموني عالليموني شامي والله.. وأنا حبابي ظلموني يا دخيل الله".
أما المصدر الآخر من الأغنية الشامية فهو طقوس النوبة المتعلقة بالمدائح النبوية وصيغ الاستسقاء أو التضرع أو طلب المغفرة لكون "التصوف" حالة سادت "دمشق"، أما المصدر الثالث فهو حالة الذهاب والإياب للقوافل التجارية التي كانت تمر بـ"دمشق"، وطريق الحج كل ذلك أثر في الأغنية الشامية وامتزاجها بحضارات وثقافات العالم».
ويبين الباحث "صميم الشريف" في كتاب "دمشق أقدم مدينة في التاريخ" بالقول: «تناولت الأغنية الشعبية التراثية الشامية الأغراض الاجتماعية والعاطفية بعيداً عن الحياة السياسية والوطنية إلا فيما ندر، وهي كقالب فني لا يختلف عن قالب الأغنية الشعبية المتداولة، وهي تتألف من لازمة موسيقية واحدة يليها مباشرة المقطع الغنائي الأول الذي يطلق عليه اسم "المذهب"، ويلي المذهب عدد من المقاطع يطلق عليها اسم الأغصان ويفصل بين الغصن والآخر إعادة (للمذهب) ويكون قفل الأغنية جملة بإعادة (المذهب) للمرة الأخيرة».
وينهي حديثه: «تصاغ ألحان اللازمة الموسيقية والمذهب والأغصان من مقام واحد وألحان الأغصان تبنى على نفس لحن المذهب، وقد يطرأ تغيير بسيط جداً على ألحان الأغصان من أجل التلوين اللحني دون الخروج على مقام المذهب إلا في حدود بسيطة، مثال ذلك نجده في الأغاني الشعبية الشامية التي اكتسبت صفة التراثية كأغنية (طالعة من بيت أبوها)، وأغنية (أوف مشعل)، وأغنية (يا ماما ما بنزل)، وأغنية (هزي هزي محرمتك)، وغيرها كثير مثل:
"عالصالحية يا صالحة.. لا تقولوا لي وينك يا صالحة
ما غمضت عيوني من مبارحة.. لشوفة حبيبي أنا رايحة
جبلي وجبلي يا دادا جبلي.. حلق الألماس إنشا الله يلبقلي
حاكاني شي لا والله.. زعلني شي لا والله.. وأنا لعندو رايحة"».
