معبد ديني نحت بالصخر الطبيعي بأجمل التصاميم، تتوسطه بحرة أحاطت بالهيكل المقدس، فتجسدت فيه طقوس حضارة "عمريت" بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد..
مدونة وطن "eSyria" التقت بتاريخ 6 كانون الثاني 2014 المهندس "مروان حسن" رئيس "دائرة آثار طرطوس" الذي أوضح أن المعبد يقع في الجانب الغربي من "تل عمريت" الأثري المشرف على "نهر عمريت" والمحاذي له شمالاً، الذي يبعد عن الشاطئ نحو اثنين كيلومتر تقريباً، ومن الشرق نبع ماء مقدس كان يصب ضمن "البحرة"، ويرجع بناء هذا المعبد إلى الفترة الواقعة بين القرن الخامس والرابع قبل الميلاد.
لم تقدم النصوص المكتشفة معلومات عن الطقوس التي كانت تمارس في المعبد، إلا أنه تم العثور على العديد من اللقى والآنية التي كانت تستخدم لأجل هذه الغاية، فمنها آنية فخارية كانت تستخدم لنقل المياه المقدسة، وآنية لحرق البخور، كذلك تم اكتشاف ثقوب في زوايا أعمدة الأروقة، والغاية من هذه الثقوب هي أن يقوم المريض بوضع إصبع يده فيها، أو أن يعلق فيها بعض النذورات الخاصة كي يشفى من مرضه
أما فيما يخص الوصف المعماري للمعبد فيتابع: «نُحت المعبد ضمن الطبقة الصخرية الطبيعية بمخطط على شكل مربع، وتم تفريغ الداخل لإنشاء بحرة يتوسطها هيكل مركزي مرتفع فوق مستوى الماء، ويرتكز على صخرة تم الحفاظ عليها لهذه الغاية، ويتم الوصول إلى البحرة عبر مدخل كبير من وسط الجهة الشمالية للمعبد، حيث يحيط به من كل جانب مدخل على شكل برج مؤلف من طابقين، ومن ثم نجد درجاً هابطاً داخل البحرة، أما المداخل الجانبية فتفضي إلى الأروقة المحمولة على أعمدة، التي تحيط بالبحرة المقدسة وتطل عليها، وكانت هذه الأروقة تستخدم للمرور حول البحرة والهيكل المركزي، كما يحيط بالرواق قناة مائية لتوزيع المياه عبر قنوات فرعية تنتهي برؤوس سباع منحوتة تدفق المياه من أفواهها في الحوض، كما تم افتراض وجود قوارب صغيرة كانت تستخدم لكبار رجال الدين لإتمام الطقوس الدينية والوصول إلى الهيكل المتوضع وسط البحرة».
ويضيف: «بلغت أبعاد المعبد 56.33×49 متراً، بارتفاع ثمانية أمتار، أما البحرة فتبلغ أبعادها 46×38 متراً وعمق ثلاثة أمتار، وقد تم تشذيب جدرانها الجانبية بشكل عمودي، وجهزت لاستقبال الماء من مسافات بعيدة، وتوجد قناة تصريف مائية في الزاوية الجنوبية الغربية من الحوض مبنية من الحجارة المنحوتة لها فتحات تهوية تمتد حتى مسافة 500 متر، كما تم حفر خزان ماء بالقرب من المعبد لحاجات العبادة والطقوس الأخرى، ويمكن القول: إن المصدر الرئيسي لتغذية البحرة بالماء كان النبع، إلى جانب مياه الأمطار، تلك المياه كانت تحيط بالهيكل الذي يقع في مركز البحرة الذي كان يضم أيضاً تمثال الإله "ملكارت"، وما زال الهيكل حتى الوقت الحاضر في مكانه، ويبدو أن الهيكل كان موجوداً في البداية قبل البحرة وكان يستخدم في عهد "الأخمينيين"، ومن ثم تم الحفاظ عليه ودمجه مع المعبد الجديد بعد حفر البحرة، وبناء الأروقة حولها من الجانب الجنوبي والشرقي والغربي محمولة على دعائم مفتوحة باتجاه البحرة، ومسقوفة بواسطة بلاطات حجرية، وتعلوها أيضاً عناصر حجرية مزخرفة على شكل مسننات كانت تطل على البحرة، وهذا العنصر الزخرفي عرفت أمثلته في أغلب مواقع "بلاد الرافدين" و"بلاد الشام" و"مصر"».
وفي لقاء مع الأستاذ "بسام وطفة" رئيس "شعبة التنقيب" تحدث عن طبيعة العبادة التي كانت تتم ضمن "المعبد"، ويقول: «كان المعبد مكرساً للإله "ملكارت" الشافي من الأمراض، وقد تم دمجه لاحقاً مع عبادة "هرقل"، وهذا الإله معروف في أنحاء مختلفة من المنطقة وصولاً إلى "تدمر"، وأولى الكتابات التي عثر عليها وتذكر اسم الإله هي التي عثر عليها ضمن القناة، وترجمة الكتابة هي: "في يد الإله ملكارت"، وفي "أرواد" عثر على كتابة يونانية تشير إلى "ملكارت" مع "هرمس"، وتم تمثيل الإله بوضعية الوقوف، والقدم اليسرى تتقدم أكثر إلى الأمام من القدم اليمنى، واليد اليمنى تمتد بمستوى الكتف، بينما تنسدل الأخرى نحو الأسفل ملاصقة للجسد، في هذا التمثيل يرتدي الإله قميصاً طويلاً وحول خصره حزام، كذلك نجد حول الرقبة جلد أسد قوائمه تظهر فوق الصدر وهو رمز "هرقل"، أما فيما يخص الوجه، فنجده ملتحياً، وفوق الرأس عمرة دائرية الشكل».
من ناحية أخرى يشير "وطفة" إلى وجود العديد من الكتابات التي تذكر "ملكارت"، سواء في "عمريت" أم في "أرواد" وحتى في مناطق أخرى من "فلسطين" و"لبنان"، وهو معروف أيضاً على أنه "إله البحر" و"إله الخصب"، ويضيف عن الطقوس التي كانت تمارس في المعبد فيقول: «لم تقدم النصوص المكتشفة معلومات عن الطقوس التي كانت تمارس في المعبد، إلا أنه تم العثور على العديد من اللقى والآنية التي كانت تستخدم لأجل هذه الغاية، فمنها آنية فخارية كانت تستخدم لنقل المياه المقدسة، وآنية لحرق البخور، كذلك تم اكتشاف ثقوب في زوايا أعمدة الأروقة، والغاية من هذه الثقوب هي أن يقوم المريض بوضع إصبع يده فيها، أو أن يعلق فيها بعض النذورات الخاصة كي يشفى من مرضه».
وبالعودة إلى حديث المهندس "مروان حسن" يوضح أن الآثاريين وجدوا تشابهاً كبيراً بين "معبد عمريت" و"معبد منبج"، خصوصاً فيما يتعلق بالبحرة المقدسة ومياهها، وقد ذكر "لوسيانوس السمسياطي" الطقوس التي كانت تمارس في المعبد والبحرة المقدسة، وربما كان هناك تشابه من حيث الطقوس المتعلقة بالبحرة المقدسة، ولا سيما أن هناك تشابهاً حتى الوقت الحاضر في الطقوس والمعتقدات الموجودة حالياً مع ما كان سائداً في العصور القديمة.
