أحبّ "دمشق" وحفظ قصصها وأخلص لرجالاتها، فكان له دور بارز في التعريف بعدد من أولياء "دمشق" وعلمائها وتوثيق مدافنهم، إضافة إلى إسهامه في صناعة الإعلام وتشكيل الرأي العام الدمشقي عبر إدارة وتحرير عدد من الصحف والمجلات الصادرة في العاصمة منتصف القرن العشرين.

إنه "عزة محمد خير حصرية" الصحفي السياسي والباحث التاريخي والكاتب والناشر الذي أسهمت صحيفته "العَلَم" في صناعة الرأي العام في سورية على مدى ربع قرن.

التقيت بالأستاذ "حصرية"في الستينيات من القرن المنصرم، في منزل العارف بالله الشيخ أحمد الحارون رحمهما الله، وكان مربوع القامة مهيب، هادئاً متزناً، عرف بين أقرانه بدماثة الخلق ولين المعشر. كان حاضراً مع شيخه مدوناً لما يمليه عليه، وربما كان يخط آنذاك مانشره لاحقاً عن شيخه، كذلك كان يدون أحياناً حديث شيخه بأكمله

الأستاذ "حسن السمان" /أحد تجار دمشق/ صديق السيد "عزة" ذكر لمدونة وطن eSyria بتاريخ 12/1/2013: «فارق المترجم له الحياة وهو يخط مذكراته بروايته لتجربته العصامية وكفاحه، وإصراره الذي مكنه من الظهور مع النخبة السورية التي صنعت استقلال الوطن؛ مختاراً الصحافة لكونها مرآة تعكس خفايا تلك الفترة الحرجة من تأريخ الوطن.

الأستاذ "عبد القادر حصرية" - ابن الأستاذ "عزة"

أحب حصرية الصحافة وبعد صدور جريدته "العَلَم" في عام 1946، عمل في التحرير والإدارة والتنفيذ إذا لزم الأمر وكان يبدأ يوم عمله الصحفي في الخامسة صباحاً لينتهي في العاشرة ليلاً، أحب الوطن وامتهن الصحافة مناضلاً طيلة أربعين عاماَ».

ولد "عزة حصرية" في "دمشق"عام 1914 لعائلة معروفة ، والده من أعيان حي العمارة، وهو أصغر ثمانية أطفال من الأخوة والأخوات، أتم السيد "عزة" دراسته الابتدائية في مدرسة "الملك الظاهر"، انتسب فيما بعد إلى مدرسة الإسعاف الخيري.

موقع صريح العارف بالله "أبو بكر القوام"

مارس العمل المطبعي في سن مبكرة، مما أتاح له الاطلاع على ثقافات مختلفة، إلا أن العمل لم يمنعه من متابعة تحصيله العلمي في معهد الحقوق، كما عكف على تعلم الفرنسية على يد أحد المبشرين وحصل على دبلوم في الترجمة من الأكاديمية العربية العليا للترجمة.

عمله في الصحافة 1931-1963 انتقل "حصرية" من مهمة تنضيد الأحرف أسوة بغيره من المبتدئين ليبدأ حياته الصحفية بكتابة عمود أسبوعي في صحيفة الشعب اليومية، اطلع من خلال عمله على ما يعانيه عمال المطابع من ظروف سيئة ليسهم عمل فيما بعد في الحد من معاناتهم والمشاركة بتـأسيس اتحاد نقابات العمال في "دمشق" عام 1932والمساعدة على تأسيس فروع له في كل "حلب وحمص وحماة".

أيد "حصرية" عام 1936 "عبد الرحمن الشهبندر"، زعيم المعارضة السورية للكتلة الوطنية للرئيس "هاشم الأتاسي" في معارضته للمعاهدة السورية الفرنسية التي وقعها الرئيس الأتاسي في باريس عام 1936، لاعتقاده أن الكتلة الوطنية قدمت الكثير من التنازلات وعليه وُضِعَ "حصرية" تحت المراقبة لمدة 24 ساعة بعد إغلاق صحيفة الشعب من قبل "جميل مردم بك"الذي أصبح رئيساً للوزراء في سورية بعد فترة وجيزة من اشتراكه في الوفد الذي أقرّ معاهدة عام 1936، رد "حصرية" بإصدار منشور سري بعنوان"الاستفهام"، انتقد فيه الكتلة الوطنية وكافة قياداتها لاتباعها سياسةً ديكتاتورية في سورية.

انضم عقب وفاه "الشهبندر" عام 1942، إلى صحيفة"الاستقلال العربي" كرئيساً للتحرير ليصبح مديرها المسؤول بعد وفاة صاحبها "توفيق جانا"، حيث كتب عن تلك الفترة من حياته: "بدأت كعامل طباعة في عام 1925 ثم أصبحت محرراً فسكرتيراً للتحرير فرئيساً للتحرير، ثم كشريك في الأرباح في جريدة "الاستقلال العربي" بعد وفاة صاحبها عام 1942، حيث كان الإقبال عليها شديداً وذلك لأن عدد الصحف كان قليلاً خلال فترة الحرب، ولأن مختلف طبقات الشعب كانت تقبل على شرائها بسبب موضوعيتها التي اتخذتها سبيلاً في سياستها، إلى جانب معالجة مواضيع الشعب القومية والمحلية والخارجية معالجة مستمدة من صميم الشعب".

ليعود عام 1944 ليؤسس مجلة فكرية سياسية أدبية جامعة أسماها "أنوار" إلى جانب عمله في الاستقلال العربي الذي تركه في أيار عام 1946ليؤسس صحيفته المسائية الخاصة "العَلَم" التي طبعت بلونين معاً.

ليقول حينها: "ولم أقتصر على التحرير في الاستقلال العربي، بل كنت أعتمد أيضاً على العمل في المطبعة بالذات سواء كان ذلك بالنسبة للمطبوعات التجارية أو لمطبوعات البلديات التي كانت جزءاً لا يتجزأ من اختصاصنا وقد ازدهر العمل مقارنة مع ما كان عليه قبل هذه الشركة.

وعندما رفضت بيع نفسي وجريدتي عام 1946، اصطدمت مع نجل المرحوم"توفيق جانا" وانسحبت بإنذار بعث به الأستاذ "سعيد الغزي"للورثة، وقد ساعدني في الحصول على امتياز لصحيفة "العلم" المرحوم الفقيد سعد الله الجابري جزاءً وفاقاً على ما قدمته لبلدي من خدمات صحفية وغير صحفية إبان عهد النضال والثورة على الأجنبي.."

كان من ضمن محرري صحيفة "العلم" "فؤاد الشايب" و"عدنان الملوحي" و ويذكر في مذكراته بأنه عمل هو محرراً ومن ثم سكرتيراً التحرير سنوات عذة، استمرت الصحيفة في الإصدار، وهي من الصحف التي لم تتوقف أثناء انقلاب "حسني الزعيم" عام1949، واستمرت حتى عام 1953 عندما اندمجت مع جريدة القبس الدمشقية لـ"نجيب الريس" عند إصدار قرار الشيشكلي بدمج كل صحيفتين في صحيفة واحدة، وأصدرت باسم"الزمان" عام 1952.

ثم انفصلت بعد ذلك عن بعضها عند انتهاء قرار الاندماج، اقترح فيما بعد ورثة "نجيب الريس" و"عزة حصرية" دمج الصحيفتين دمجاً اختيارياً وبالاتفاق بينهما، وأصدر العدد الأول عام 1954 باسم"القبس العلم" لكنها سرعان ما عادت لتصدر مستقلة، كما كانت "العلم" من الصحف التي لم تتوقف بالمرسوم (195) عند قيام الوحدة بين سورية ومصر، وقد حرر فيها "جبران كورية" عام 1951.

في عام 1963 أغلقت الجهات المسؤولة صحيفته أسوة بجميع الصحف الخاصة باستثناء اثنتين، وأنهت حقوقه المدنية، واضطرته إلى التقاعد بعد ذلك، ليبقيى في سورية كناشر حتى عام 1970 وذلك دون التطرق إلى كتابة أية مقالات في الصحافة السياسية.

يقول الأستاذ "السمان": «شارك المترجم له في دعم النضال الوطني إذ كان في طفولته ينقل الأدوية من المدينة إلى الثوار الوطنيين في "ريف دمشق" واضعاً العلاجات في أوعية مختلفة ليضلل العدو الفرنسي ويتجنب تفتيشه، كما شارك في شبابه في النضال من أجل الاستقلال في سورية، فكان من الذين دعوا لإضراب الستين عام 1936 واعتقل مع رفاقه من منظمي ذلك الإضراب، وقد كان يتصل بالجنود السنغاليين في عهد الاستعمار الفرنسي محاولاً أن يحضهم على التحرر من الأوامر التي كان يصدرها القادة الفرنسيون إليهم، وقد أثمرت جهوده وغيره من الكتاب فيما بعد في دعم جهود الثورة السورية الكبرى.

كما عمل مع لجنة للتنقيب في ترميم عدد من المواقع الأثرية في"دمشق"، وعمل على الكشف عن مدافن عدد من الشخصيات التاريخية التي ارتبط ذكرها بالمدينة كالصحابي "بلال الحبشي" والصحابي "حرملة بن الوليد" شقيق الصحابي "خالد بن الوليد"، وضريحي الخليفتان الأمويان"معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان" والعالم العربي"الفارابي" ونظراً لجهوده عين عضواً في لجنة المقامات والأضرحة ولجنة إحياء دمشق القديمة».

شارك في تأسيس عدة لجان اهتمت بالحفاظ على الطابع التاريخي لمدينة"دمشق"، منها: "لجنة تسمية شوارع وساحات المدينة، لجنة المقامات والأضرحة، لجنة تجميل المدينة لجنة صندوق مقابر المسلمين، جمعية أصدقاء دمشق".

أسهم "حصرية" في بناء عدد من المساجد منها: "مسجد حرملة بن الوليد، مسجد بلال الحبشي، مسجد الشيخ رسلان الدمشقي، مسجد شرحبيل بن حسنة، مسجد ضرار بن الأزور، مسجد الكزبري".

توفي "عزة حصرية" في "دمشق" في الرابع من تشرين الثاني عام 1975 و دفن بجوار مقام الشيخ "أرسلان الدمشقي" بالقرب من "باب توما"، أطلق اسمه على مدرسة إعدادية في "دمشق"تكريماً له.

المستشار المالي الأستاذ "هيثم أياسو" مدير بنك الرياض سابقاً تحدث عن علاقته بالراحل بالقول: «التقيت بالأستاذ "حصرية"في الستينيات من القرن المنصرم، في منزل العارف بالله الشيخ أحمد الحارون رحمهما الله، وكان مربوع القامة مهيب، هادئاً متزناً، عرف بين أقرانه بدماثة الخلق ولين المعشر. كان حاضراً مع شيخه مدوناً لما يمليه عليه، وربما كان يخط آنذاك مانشره لاحقاً عن شيخه، كذلك كان يدون أحياناً حديث شيخه بأكمله».

حقق عدداً من الكتب الدينية منها: "الشيخ أرسلان الدمشقي و العارف بالله الشيخ أحمد الحارون" – 1965، شرح رسالة الشيخ أرسلان في علوم التوحيد والتصوف" – 1969، "خمرة الحان و زينة الألحان للشيخ عبد الغني النابلسي" – 1969، "نهاية البيان في شرح رسالة أرسلان"- 1969،"شرح الرسلانية للشيخ علي بن علون الحموي" – 1969، "روح القدس في محاسبة النفس للشيخ محيي الدين بن العربي".

وختم "السمان" حديثه عن صديق الشباب بالقول: «كان الأستاذ "عزة حصرية" صديقاً مقرباً من الشيخ "صلاح الدين كيوان"، وله فضل في توثيق سيرة عدد من العارفين بالله الدمشقيين، وله اليد العليا في اكتشاف ضريح مقام العارف بالله "أبو بكر القوام" -الموجود إلى الغرب من ساحة المالكي في دمشق-، ولقد حول مقر مطبعته "جريدة العلم" إلى طباعة الكتب الدينية والشرعية.