جامع "يلبغا" من الجوامع الدمشقية القديمة التي امتلكت طرازاً معمارياً خاصاً، إضافة إلى موقعه الاستراتيجي القديم الواقع قرب ساحة "المرجة- الشهداء" وسط العاصمة "دمشق".
موقع "eDamascus" بتاريخ 12/1/2012 وللتعرف على قدم هذا الجامع التقى من سكان المنطقة "المرجة" السيد "عبد الله السكري" ليقول: «هو من أكبر جوامع "دمشق" وقد درج العامة على إطلاق اسم "البغا" عليه نسبة لاسم "يلبغا" الذي بني في عهده سنة 1264م، كما أن هذا الجامع كان من أشهر جوامع "دمشق" في اتساعه وهندسته المعمارية، بما ضم من عمد وزخارف، وأفانين العمارة العربية الإسلامية، التي تميزت بها مدرسة "دمشق" المعمارية، وهو أحد المساجد الكبرى التي بنيت على نسق الجامع الأموي خارج سور مدينة "دمشق"، كجامع الحنابلة وجامع التوبة وجامع "تنكز"».
كم نزهة في يلبغا تُبتغى ودارج لم يخل من دارج يموج في بركته ماؤهــا تحت ستار ليس بالمايــج مئذنةٌ قامت على بابـــه تشهد للداخل والخـــــارج
أما الباحث "منير كيال" فيقول: «بني الجامع على أرض مساحتها 450 متراً مربعاً وكان موضعه تلاًّ يشنق عليه، وكان آخر من شنق عليه معتوهاً فشطح به حبل المشنقة ووقع على الأرض فمات، فلم يعد يشنق عليه أحد منذئذ.
كان البناء على ضفة نهر "بردى" إلى الجهة الشمالية من ساحة "المرجة"- "الشهداء"، وكان يقابله من جهة الشرق ما كان يعرف بتحت القلعة وهي مساحة تحف بها الدور وتعلوها القصور وبها كل ما يروم الإنسان وتشتهيه الشفّة واللسان، ومن ذلك دار البطيخ الذي يباع فيه جميع أنواع فواكه "دمشق" وغوطتها، وكذلك سوق القماشين والفراء والعبي والنحاس والمحايرية والنجارين والخراطين، وسوق حاجات السوائم والدواب "السروجية"، حتى إن المرء لا يكاد يستطيع رؤية الأرض لكثرة ما في المكان من المتعيشة والشرائين، وكان إلى جهة الشمال الشرقي من الجامع نزلة "حدرة" جوزة الحدباء من سوق "ساروجة" التي تنتهي عند فندق "دامسكو بالاس" الذي نزل فيه "غليوم الثاني" الامبراطور الألماني لدى زيارته "دمشق"، وكان في مقابلة هذا الفندق بناء مؤسسة الريجي "التنباك" قبل أن تحترق.
بني جامع "يلبغا" عام 1264م في عهد نائب السلطنة المملوكي في "دمشق" "سيف الدين يلبغا اليحياوي"، واكتمل البناء بعد عشر سنوات فكان في غاية الحسن والاكتمال، لما حفل من المحاريب والنوافذ المقرنصة والزخارف المحفورة، والكتابات المنقوشة على الحجر والشرفات، والنوافذ الزجاجية الملونة بأسلوب المعشّق، فضلاً عن المئذنة والأبواب، حتى لكانه نسخة مصغرة عن الجامع الأموي بدمشق».
وعن هذا الجامع يقول "أبو البقاء البدري" في كتابه "نزهة الأنام في محاسن الشام"، لدى حديثه عن حي تحت القلعة: «جامع "يلبغا" من أحسن الجوامع بدمشق ترتيباً ومتنزهاً، بصحنه بركة ماء مربعة، داخلها فسقية مستديرة بها نوفر يتشامخ فيها الماء إلى طول قامة إنسان، وفرق البحرة مكعب "سقالة" عليه عريشة عنب ملون يصل ماء النافورة إلى قطوفها الدانية، وبجانب تلك البحرة حوضان من أنواع الفواكه والرياحين.
وللجامع شبابيك "نوافذ" تطل على جهاته الثلاث، على ما تحت القلعة من جهة الشرق، وما بين النهرين الحافلة بالدور والقصور والحوانيت ما لا يخطر على البال، لتلبي حاجات الناس وما يطلبه كل إنسان، وتلذّ به النفس وتسر به العين من جهة الغرب، أما الجهة القبلية "الجنوبية" فكانت تطل على نهر "بردى" بأشجار صفصافه وأزهار ومساحات خضراء».
وقد عد "أبو الفتح المالكي" جامع "يلبغا" من محاسن الشام بقوله:
«كم نزهة في يلبغا تُبتغى ودارج لم يخل من دارج
يموج في بركته ماؤهــا تحت ستار ليس بالمايــج
مئذنةٌ قامت على بابـــه تشهد للداخل والخـــــارج».
ويتابع "منير" حديثه بقوله: «يشكل صحن الجامع الجانب الشمالي من المساحة العامة، وبهذا الصحن أروقة تحيط به من الشرق والغرب والشمال وهي شبيهة بأروقة صحن الجامع الأموي بدمشق من حيث إنها مبنية على قناطر "أقواي" محمولة على أعمدة وعضائد، وبالصحن ثلاثة أبواب، حيث الباب الأول الشرقي وهو في صدر محلة تحت القلعة ويسمى باب "الحلق"، وباب ثان غربي وينحدر منه في درج أسفل وادي بردى، ويسمى باب "المنزه"، والبابان الشرقي والغربي يتقابلان على محور واحد، أما الباب الشمالي المعروف بباب "الفرج"، فيتوسط الواجهة الشمالية للجامع ومنه يخرج إلى الموضأ، وإلى جانبه مئذنة مشيّدة بالحجر وقد جددت أكثر من مرة، ويتألف الحرم من رواقين موازيين للقبلة "الجنوب" يفصلهما صف من الأعمدة والعضائد فوقها قناطر تحمل للسقف كما هي الحال في "الجامع الأموي"».
