"وين كنتِ أمبارحة، نشمية يا نشمية، أسمر يا بو عيون السود، يا عيد الماضي يا عيد" وغيرها، مذاهب شعرية لقصائد شعبية من نوع الفن، تميز بها تراث جبل العرب.
«اشتهر في جبل العرب من أنواع الشعر الشعبي: الهجيني والشروقي والحداء والجوفية والمطلوع والعتابا، وكلها وافدة إلا قصائد الفن فهي من إبداع أهالي جبل العرب وتراثهم الأدبي»، الحديث كان للشاعر الشعبي "قفطان الشوفي" عضو جمعية الأدب الشعبي وأصدقاء التراث لموقع eSwueda بتاريخ 29/12/2011 وتابع بالقول: «لاشك من يستمع إلى مطالع قصائد "لدت عين المحكولة، ويا طودنا أول جبل، يا ربوع القلب يهوى"، وغيرها من القصائد الشعرية الشعبية من نوع الفن، يشعر بأنها للشاعر "محمد العربيد" لأنه استطاع مع بداية الثمانينيات أن يجعل لنفسه شخصية في هذا المضمار، وجعل الدلالة الشعرية والصور ذات الانزياح الدلالي تجتاح بناء قصيدته لتدخل إلى الأفئدة والقلوب عن طريقة أدائها بشكل غنائي في المناسبات الاجتماعية والأفراح، معتمداً على موروثه الأدبي من تاريخ بلدته "ملح" التي قدمت للحركة الأدبية الشعبية باقة من الشعراء والأدباء غزوا الوسط الاجتماعي بمجموعة من الأشعار كان لها الحضور الإبداعي بين أهالي الجبل وتاريخه وتراثه، مساهمين بنشر ثقافة المقاومة والبطولة خاصة أن كثيراً منهم عاصر الثورة السورية الكبرى وكانت مراسلات فيما بينهم، مثلا "نجم العباس، أحمد مكنا، أحمد كمال، صابر معروف، نواف أبو علوان" ومن المعاصرين "نواف أبو شهده"، ولهذا عمل الشاعر "العربيد" على تكريس نمط قصائد الفن وتفرد بها بألحان منسجمة مع معنى ومبنى الكلمة باستخدام مفردات محلية من بيئته الجبلية».
اشتهر في جبل العرب من أنواع الشعر الشعبي: الهجيني والشروقي والحداء والجوفية والمطلوع والعتابا، وكلها وافدة إلا قصائد الفن فهي من إبداع أهالي جبل العرب وتراثهم الأدبي
موقع eSwueda التقى الشاعر الشعبي "محمد العربيد" عضو جمعية الأدب الشعبي وأصدقاء التراث بالحوار التالي:
** لأنني من بلدة تهتم بالشعر الشعبي ولها علاقة تاريخية مع الشعر والأدب والتراث الذي أظهر رجالات وطنية وثقافية وتراثية، جعلت من بلدتي المثل بامتثال الشعر وتدوينه وتوثيقه وتاريخه، ولأن طبيعة ناحية "ملح" التي تبعد عن مدينة "صلخد" حوالي 17 كيلو متراً تتميز بعادات وتقاليد اجتماعية عربية أصيلة، ذات طابع تراثي اجتماعي فقد كثر تداول الشعر في المضافات التي تعتبر الجامعة وناشرة لفكر وثقافة العديد من المبدعين والشعراء، ولهذا كان نصيبي كبيراً في الاستفادة من ذالك الموروث الشعبي الغني، حيث صب اهتمامي في الشعر الشعبي بنوع قصيدة الفن الذي يتميز به جبل العرب، إلا أن هذا النوع عرف بالنوع الرباعي، والخماسي، والسداسي، والسباعي، والثماني.
* متى تكتب قصيدة الفن؟
** حين تأتي القصيدة تكون كالرياح الهوجاء لا تعرف مسارها، إلا أنها قادرة على أن تتملك، وبإحساس بمسؤولية الشعر تخرج القافية، لكن الصورة تجعل المتخيل في ذاكرتي يغوص في بحر الذات، حتى يتكامل الإيقاع مع الموسيقا واللون الجميل للصورة الشاعرية، ولأن طبيعة قصيدة الفن تحتاج إلى تكثيف في الصور وتكثيف في الوصف، أحاول جعلها لوحة متكاملة، إذ لا يمكن لشاعر يعي معنى قصيدة الفن إلا أن يسير بركبها لتأتي خاتمتها من ذاتها.
والأهم في قصيدة الفن أنها سرعان ما تتداول على ألسنة محبي هذا النوع من الشعر، بطريقة غنائية تجعل المتلقي يشعر بمعنى الكلمة واللحن والدلالة الشعرية والصورة الاعتبارية التي تلامس مشاعر وهموم الناس بشكل مباشر، ولهذا عرفت قصيدة الفن بأنها الأقرب اجتماعياً والأوسع ثقافياً في معالجة الإشكاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية، من هنا كتبت قصيدة الفن بأنواع مختلفة الوطني والعاطفي والوجداني والرثاء.
** لأن الشعر هو عبارة عن صورة لا واقعية، كنت أبحث عن انزياح في الشعر، وبالتالي أصب جل اهتمامي في البحث عن المفردات المحلية، وربما خاطبت بصيغة الحاضر الغائب المطلق، كأن بدأت بكتابة قصيدة عام 1968 أخاطب فيها العيد، حين قلت:
يا عيد الماضي يا عيد/ محاربنا ومجافينا
كل عام بتجينا جديد / وبقدومك ما نسرينا
يا عيد الماضي يا عيد
إن المفردات المحلية التي باتت بعيدة عن تداول المجتمع أرى أننا بحاجة لإحيائها من جديد، فهي من تشعر المرء بارتباطه بموروثه الاجتماعي، والانتماء المكاني، باستخدام جمل شعرية بمفردات شعبية هي الأقرب إلى قلب ومشاعر السامع، وهذا ما يحدث معي في أداء قصائدي الشعبية في المناسبات والاحتفالات الرسمية والشعبية، إذ بعد أيام استمع إليها بأصوات شبابية ترددها وبأداء قد يكون أجمل مما أقدمها، وهذا دلالة على تأثير اللحن وطبيعة الكلمة والمفردة المحلية في جيل من الشباب يحب التراث ويقوم بغنائه من أجل استمرار بقائه.
** عرفنا قصيدة الفن منذ القديم بأنها ذات رتم واحد في لحنها، وهي تتميز بأنواع مختلفة كما ذكرنا في بداية الحوار بالرباعي والخماسي وغيره، إلا أنني استطعت من خلال حبي لهذا الفن أن أحرره من قيده الثابت وأجعل الحركة والفعل فيه عاملات في تطويره بألحانه وجمله، إذ كانت بداية القصيدة عندي هي التي رددت كثيراً على ألسنة الناس بعنوان "وين كنت امبارحة" والتي أقول في مذهبها:
وين كنتي امبارحة/ يا غزالي سارحة
طار عقلي وتاه فكري / وعيني عليك شايحة.
مما لا شك فيه بأن لحنها ساهم في نشرها أكثر وبالتالي غناها مطربون أمثال "عيسى مسوح" وغيره، وهناك شعراء جاؤوا بعد عام 1980 منهم "جميل العطار، هايل السلمان" وغيرهم، إلا أنني بدأت بالبحث في ألحان مركبة ومتعددة فيها روح التنافس الشعري الشاعري والأدبي.
** من المعلوم أن أهم آلة شعبية في تراثنا الجبلي هي "الرباب" تلك الآلة الوترية ذات الوتر الواحد عملت على إيصال ألحان كثيرة من نوع الهجيني والشروقي والحداء، وقصائد الفن التي باتت ألحانها تزيد على مئة لحن، ثم دخلت آلة العود بأوتاره الخمس الحاملة معها الأبعاد الموسيقية والتقسيمات الفنية التي من شأنها استغلال مساحات الصوت والبعد الفيزيائي للأداء.
** لعل قصيدة الفن هي قديمة في تاريخنا المعاصر، وهي مشتقة من نوع زجلي شعري أندلسي يعود بتاريخه إلى القرن الرابع عشر، وكانت تسميته في جبل العرب "الفن"، لأنه يقدم غنائياً بطريقة يقف فيها الشاعر على رأس مجموعة من الشباب يرددون مذهب القصيدة وهو يقوم بأداء أغصانها، ويتحركون بخطوة واحد بطيئة ليعم أرجاء المضافة أو الساحة أو المكان الذي يجمع المجتمع للاستماع إلى هذا النوع من الشعر.
** لقد كتبت العديد من القصائد الشعرية الشعبية التي تقع تحت تصنيف الشروقي، والهجيني والمطلوع، والعتابا، حتى إنني كتبت القصيدة ذات اللهجة البدوية الفراتية، إضافة إلى الدلعونا الطويلة والقصيرة والجوفية والهولية المعروفة بالحبل المودع، لكنني أجد نفسي أكثر في قصيدة الفن.
