ربما للمكان دور هام في حياة الشاعر "إبراهيم مصطفى عبد الله" وهو ابن "القلمون" فتأثر بالجوار إن كان في الشرق باتجاه البادية السورية، أو غرباً حتى جبل لبنان، فكتب الزجل وتعلم العزف على العود، لم يفكر يوماً أن يلحن ما كتبه، لكنه حاضر دائماً في أفراح مدينته وما يجاورها.

موقع eSyria التقى الفنان الشاعر "إبراهيم عبد الله" في مدينته "النبك" من محافظة "ريف دمشق" ليتحدّث عن علاقته بالموسيقا فيقول: «موعدي مع الموسيقا كان متأخراً بعض الشيء فلم تبدأ العلاقة بيننا إلا في العشرين من عمري، كان هذا أثناء دراستي للاقتصاد في جامعة دمشق، فتعلّمت أصول الموسيقا على يد أساتذة مختصّين، وأعتقد أن ما ساعدني على ذلك هو أنني ترعرعت في عائلة فنية فوالدي "مصطفى عبد الله" كان من أشهر عازفي "المجوز" في سورية، فيما بقية إخوتي أتقنوا العزف على الآلات الإيقاعية».

نسّم يا هوا بلادي يا غربي/ يا كتر المال بالغربة يغر بي/ قضينا العمر فيكي يا غربة/ شقا وهجران وهموم وعذاب

ثم ينتقل للحديث عن كتابته للشعر الزجلي الذي يهواه ويعتبره متنفسه إلى العالم، فيقول: «ما يميز "منطقة القلمون" هو موقعها الجغرافي الذي منحها طبيعة قاسية جعلت أبناءها مرتبطين أكثر بما يتأثرون به، فما يجاورنا من جهة الشرق هو امتداد مع المجتمعات البدوية عبر البادية السورية، في حين تتصل منطقة القلمون غرباً بجبل لبنان، والزجل موجود عندنا شأنه شأن لبنان بل هو من منبع واحد وبيئة واحدة فالحفلات والأعراس متشابهة، والأنماط التي تقدم من "موشح" و"قرّادة" و"قصيد" واحدة، أضف إلى أن ما يميزنا هو هذا الارتباط مع البادية السورية كما أسلفت».

الفنان ابراهيم عبد الله

أما "العتابا" التي يتناولها الشاعر "إبراهيم" في كتاباته، فيتحدث عنها: «"العتابا" نوعان شرقاوي ينتهي بحرف "الألف"، والنوع الآخر غربي ينتهي المقطع بحرفي الألف والباء، وأنا أكتب النوع الثاني ولم أجرب العتابا الشرقية».

يقول في أحد أشعاره: «نسّم يا هوا بلادي يا غربي/ يا كتر المال بالغربة يغر بي/ قضينا العمر فيكي يا غربة/ شقا وهجران وهموم وعذاب».

يعتقد الشاعر "إبراهيم" أن الأغنية الشعبية تعاني ما تعانيه من خلال دخول أصوات غنائية غير متمكنة من اللحن الأصلي، ويتابع: «ما زاد في هذا الأمر هو منع الأمسيات الخاصة بالزجل والشعر المحكي في المراكز الثقافية، فلو دقّقنا جيداً سنعرف أن التراث محفوظ في الكلمة المحكية وما نبحث عنه قاله الأجداد بلهجاتهم المحلية والتي تعكس بيئة المكان الذي خرجت منه، فحق الشاعر أياً كان اللون الذي يقدمه أن يجد مكاناً يقدم فيه ما كتبه».

ولكونه عضواً في "جمعية شعراء الزجل في سورية" فإنه يسعى مع زملائه لتقديم هذا اللون لمحبيه والمحافظة عليه، ويقول في ذلك: «نحاول في جمعية الزجل التواجد الدائم في كل الحفلات والمناسبات، ونقدم السهرات الزجلية في منطقة "باب شرقي" في كنيسة "الزيتون"، ومنطقة "النبك" فيها عدد لا بأس به من "الزجالين" يصل عددهم إلى عشرة شعراء».

يجد "ابراهيم عبد الله" نفسه في الزجل أكثر منه في الشعر المحكي ربما لأنه عاصر الفترة الذهبية لشعراء الزجل في النبك مذ كان في الخامسة من عمره: «كان والدي يأخذني معه إلى السهرات الزجلية التي تعقد أثناءها وما زلت أذكر منهم الشاعر "رفعت مبارك" والحاج "محمود الحسواني" و"أبو أسعد الفيجاني" والشاعر النبكي "جرجس مرشاق أبو داؤود" أطال الله في عمره».

يذكر "العبد الله" عادات كثيرة ما زال بعضها حاضراً حتى هذه الأيام، وطال النسيان بعضها الآخر، يقول: «لا شك أن التغييرات طالت جميع مناحي الحياة بما فيها طريقة الحفلات التي كانت تشكل المكان الأمثل لإبراز ما كان من تراث فني لأية منطقة، فالكثير منه اندثر مع رحيل كثير من الرعيل الأول، وهذا ما يدعونا إلى البحث والتقصي لحفظ ما بقي في ذاكرة البعض».

ويتابع: «قبل أربع سنوات دعونا إلى مؤتمر يهدف إلى حفظ التراث غير المادي والمقصود به الأغاني الشعبية والحكايات التي كانت تدار في المضافات، وخلصنا إلى العمل كل في مكان تواجده إلى البحث عن هذا الموروث وتوثيقه ومحاولة إعادة إحيائه».

ومما كتبه الشاعر "إبراهيم مصطفى عبد الله" هذه القصيدة التي يتحدث فيها عن "الضيعة" يقول فيها:

مشتاق ارجع عا ضيعتي شي نهار/ واسرح ياليل الصفا ع دروب ماضيها

ولملم بقايا صور من كل حارة ودار/ واسرق قصيدة غزل مني واهديها

بسأل عليك القمر يا بيتنا الختيار/ وعن كل قصة شقا كنا سوا فيها

معقول بعد الوفا لف الزمان ودار/ وحلفت كل شي قصص للناس تحكيها

كانوا بعب المسا يغنوا ولاد صغار/ كلمات بس الصدى بيعرف معانيها

ويصير كلما لفا طير السنونو وطار/ يسمع غناني الهوى ومتلن يغنيها

سقا الله ليالي السهر ع سراجنا المحتار/ مرة بيكشف صور مرة يخبيها

ويحكي هبوب الهوا للموقدة أسرار/ ويحمر جمر الخجل والنار يطفيها

مش هَمْ برد الشتي ومش هم شو ما صار/ ما دام عنا وفا وإلفة تدفيها

وكلما دموع السما بتجبلنا أخبار/ عا كل مفرق سطح مزراب يرويها

وعا كل مفرق درب تارك إلي تذكار/ اكتب عَ سوكة حجر كلمة ووصيها

لو دار فينا الزمن لا تتعبي يا حجار/ وأوعي تخلي الجفا ع البعد يمحيها

ويمكن عَ هَيدا الحكي لْ بيحاسبوني كتار/ معقول رب السما هَلْقد عاطيها

بتبقى بعيني أنا أجمل من الأشعار/ وكل ما فتحت القلب فيّو بلاقيها.