في عام 1974 وأثناء التنقيب في القصر الملكي في "إبلا" (موقع تل مرديخ قرب مدينة سراقب) تم العثور بين أنقاضه على 42 لوحاً طينياً مكتوبة بالخط المسماري، فاستمر التنقيب حتى تم الكشف عن المكتبة الملكية في عام 1975 والتي تضم أكثر من 17 ألف ما بين رقيم مسماري كامل وكسر رقيم.

الباحث في تاريخ وآثار "إبلا" الأستاذ "فجر حاج محمد" تحدث لموقع eIdleb عن هذا الأرشيف بالقول: «يعتبر اكتشاف أرشيف "إبلا" أحد أهم اكتشافات القرن العشرين بلا منازع، فقبل اكتشافه كان الرأي السائد بأن "سورية" هي منطقة فراغ وفقر حضاري خلال الألف الثالثة قبل الميلاد، حيث إنه لم يكن لدينا دولة محورية وأساسية في "سورية" في تلك الفترة، وكان الرأي المتداول بين علماء الآثار بأن "سورية" لم تكن سوى صلة وصل ومعبر بين حضارتين عظيمتين هما الحضارة "الأكادية" في "العراق" والحضارة "الفرعونية" في "مصر"، ولم تكن هناك حضارة أصيلة في "سورية" خلال هذه الفترة، ومع اكتشاف هذه الرقم وبداية حلحلة معلومات الأرشيف إلى اللغات الحية تغيّرت نظرة الباحثين إلى "سورية"، فقد أصبح لدينا حضارة ثالثة في الشرق القديم مركزها "سورية" تضاهي حضارتي "آكاد والفراعنة" بالقوة والأهمية والغنى والتطور، وأصبح لدينا عمق تاريخي يخترق الألف الثالث قبل الميلاد وكذلك وثائق أصيلة من "سورية" تحكي تاريخ "سورية" بشكل أكيد ولا يدخله الشك، فقبل هذا الكشف كان كل ما يذكر عن "سورية" يأتي من مصادر غير "سورية" سواء من "بلاد الأناضول أو بلاد الرافدين أو مصر"، صحيح أنه لدينا أرشيفات رائعة في "ماري وأوغاريت وتل ليلان وناغار"، إنما ليست بأهمية أرشيف "إبلا" لكونه الأقدم في "سورية" وأول أرشيف في الألف الثالث قبل الميلاد، وهو الأكبر حجماً حيث يضم حوالي 17 ألف رقيم كامل وكسرة رقيم، ولقد غطى مرحلة غامضة من تاريخ "سورية" في عمق الألف الثالث بين عامي 2400- 2250 ق م أعطت الكثير من الإيضاحات عن الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في "إبلا" وفي "سورية" بشكل عام، كما ذكرت في هذا الأرشيف الكثير من المدن التي مازالت تحت التراب تنتظر أعمال البحث والتنقيب».

يضم الأرشيف نصوص إدارية وسياسية واقتصادية وأدبية ومعجمية، ولعل من أشهر تلك الرقم ذلك الرقيم الفريد الشهير في العالم والذي ينص على معاهدة "أبرسال" التي تعتبر أقدم معاهدة سياسية في التاريخ، إلى جانب الكثير من الرقم المعجمية التي تضم تعابير وكلمات ومصطلحات بين اللغة الإبلاوية وما يقابلها من اللغة الأكادية، وكان هناك أناس مختصون بكتابة الرقم بإشراف وزير أو مرتبة عليا في الدولة يشرف على الكتبة وعلى الأرشيف، ومع بداية اكتشاف الأرشيف تبلورت لجنة من كبار المختصين باللغات القديمة معظمهم إيطاليون وعلى رأسهم البروفسور "آلفونسو آركي" لقراءة تلك النصوص وترجمتها إلى اللغات الحية وترميم بعض تلك الرقم ونشر النصوص المترجمة ضمن مجلدات، ونحن حاليا لدينا حوالي 15 مجلدا نطمح بترجمتها للعربية وتكون مرجعاً لعلماء الآثار، وكل عام تعثر البعثة على رقيمين أو أكثر في أرجاء المدينة ويبقى الأمل بالعثور على الأرشيف الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد حيث فترة ازدهار "إبلا"

ويتابع الأستاذ "فجر" حديثه: «هذه الرقم كانت منضّدة على رفوف خشبية صمن مكتبة خاصة في القصر الملكي ومفهرسة بحسب مواضيعها، وشكل الرقيم يوحي بموضوعه سواء كان دائري أو بزوايا منحنية أو مربعة، ونتيجة الحريق الهائل الذي أشعله "نارام سين" ملك "آكاد" في "إبلا" بعد غزوها حيث استمر الحريق لمدة أسبوع كما يقول البروفسور "باولو ماتييه" مكتشف المدينة ويذكر بأن استمرار الحريق طوال تلك الفترة كان أمرا طبيعيا حيث إن معظم المباني في "إبلا" هي طينية من الخارج ولكنها من الداخل ملبسة بالخشب المصدّف بالذهب والفضة، وكانت الأسقف كلها من خشب "الأبانوس" وخشب "الأرز" المستورد من "جبال لبنان" والتي كان تحت السيطرة الإبلاوية، إلى جانب الأثاث والفرش الخشبي وكل ذلك شكل أرضية مناسبة لحدوث حريق هائل استمر لعدة أيام، وقد عملت هذه النيران على شي الرقم الطينية الميبسة على أشعة الشمس مما زاد في قساوتها وقوتها، فلم تؤثر فيها عوامل الطبيعة وصمدت ضد الكسر والرطوبة ولم تتآكل حيث أضحت وكأنها محفورة على الحجر الأمر الذي ساهم في بقاء قسم منها بحالة فنية جيدة حتى اليوم، وكان يتم تصنيع الرقيم من مادة الصلصال الفخاري المجفف حيث تكتب عليه النصوص عندما يكون رطباً ثم يتم تجفيفه تحت أشعة الشمس، ويبدو أنه كان هناك أمر ملكي بحفظ كافة الرقم في مكان واحد أو أماكن متقاربة وبإشراف قيم على هذا الأرشيف، فهناك الغرفة الرئيسية للرقم والتي تحوي القسم الأكبر من الأرشيف، ولدينا غرفتين جانبيتين تحوي كل منها عشرات أو مئات من الرقم».

الرقم المسمارية كما ظهرت عند الكشف عنها

ويضيف: «يضم الأرشيف نصوص إدارية وسياسية واقتصادية وأدبية ومعجمية، ولعل من أشهر تلك الرقم ذلك الرقيم الفريد الشهير في العالم والذي ينص على معاهدة "أبرسال" التي تعتبر أقدم معاهدة سياسية في التاريخ، إلى جانب الكثير من الرقم المعجمية التي تضم تعابير وكلمات ومصطلحات بين اللغة الإبلاوية وما يقابلها من اللغة الأكادية، وكان هناك أناس مختصون بكتابة الرقم بإشراف وزير أو مرتبة عليا في الدولة يشرف على الكتبة وعلى الأرشيف، ومع بداية اكتشاف الأرشيف تبلورت لجنة من كبار المختصين باللغات القديمة معظمهم إيطاليون وعلى رأسهم البروفسور "آلفونسو آركي" لقراءة تلك النصوص وترجمتها إلى اللغات الحية وترميم بعض تلك الرقم ونشر النصوص المترجمة ضمن مجلدات، ونحن حاليا لدينا حوالي 15 مجلدا نطمح بترجمتها للعربية وتكون مرجعاً لعلماء الآثار، وكل عام تعثر البعثة على رقيمين أو أكثر في أرجاء المدينة ويبقى الأمل بالعثور على الأرشيف الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد حيث فترة ازدهار "إبلا"».

ويقول الأستاذ "أحمد خربوطلي" ماجستير لغات قديمة: «لم يعط أرشيف "إبلا" الملكي فقط أقدم شواهد لغة سامية، بل سمح بدراسة مجتمع التمدن الذي نشأ في الألف الثالث قبل الميلاد، وشكل منعطفاً مهماً في دراسة تاريخ البشرية، ويذكر اللغوي "ألفونسو آركي" أن أرشيف "إبلا" ضم عدداً من اللوحات والكسر الكبيرة التي وصلت إلى ستة آلاف لوحة وكسرة فضلاً عن آلاف الكسر الصغيرة، كما يذكر أن 80 % من اللوحات هي لوحات ذات مضامين اقتصادية وإدارية تتحدث عن مبادلات القصر وأفراده، أما اللوحات الباقية فهي أدبية ومعجمية مع بعض النصوص التاريخية التي مكنتنا من إسقاط أضواء على تاريخ "سورية" في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، وساعدتنا أكثر في فهم اللغات السامية والسومرية، أما الأرشيف الرئيسي فقد كان متوضعاً في الغرفة الواقعة على الطرف الشرقي من قاعة الاحتفالات، ويمكن تسميتها المكتبة الملكية وضمت الكم الأكبر من أرشيف المملكة، هذه اللوحات كانت مرتبة على رفوف خشبية تستند على الجدار، لكن احتراق الرفوف بعد دمار القصر جعل هذه اللوحات تتساقط على الأرضية في وسط الغرفة، لذلك كانت أغلبها على الأرض بما فيها بعض اللوحات الكبيرة، ويبدو أن الرسائل كانت محفوظة ضمن سلة احترقت بالنار، وعلى رفوف الجدار الشمالي كانت النصوص الميثولوجية والسحرية والتعاويذ مع بعض الترانيم الدينية المرافقة للاحتفالات الرسمية، بينما كانت النصوص القاموسية والقانونية على نفس الجدار ولكنها كانت موضوعة على الرف السفلي مع نصوص إدارية تتعلق بالزراعة والحبوب وتربية الماشية، فقد تم تمييز عشرين رقيما ذات حواف مدورة سجلت عمليات تسليم الأغنام إلى القطاعات التابعة للقصر وقسمت إلى ثلاث أقسام: أضاحي للآلهة وأخرى للقصر ثم للموظفين، أما الوثائق التي تتحدث عن النسيج والغزل وإنتاجه وعن الضرائب والمعادن وتوزيع السكاكين والصحون المصنوعة من معادن ثمينة فكانت موضوعه في الزاوية الشرقية من نفس الغرفة، وبالمقابل كانت لوحات الجدار الغربي ذات طابع اقتصادي وخاصة المنسوجات المعدة للتصدير، وعثر على 50 رقيما أعطت قائمة بأسماء مدن أو قرى، لكن الرسائل لم يتجاوز عددها الخمسين رسالة، وعثر على حوالي 250 نصا في الزاوية الشمالية الشرقية من غرفة الأرشيف تتضمن تسجيلات لمواد غذائية من طحين وزيت وشعير البيرة كانت معدة لاستخدامات القصر الخاصة».

صورة للنصوص الإدارية والمعجمية والأدبية في الموقع

ويتابع الأستاذ "أحمد": «وتوجد حوالي عشرين لوحة ذات مضمون أدبي وبعضها كتبت بالسومرية وبعضها كتب بالإبلائية، هذه النصوص هي النصوص الأقدم التي تمثل اللغة السامية وكانت أسماء الكتاب أسماء سامية، وثمة لوحات تماثل الأرشيفات المكتشفة في تل "أبو صلابيخ وفارة وتل بيدر وماري"، ويبدو أن العديد من الوثائق كانت تدمر وتحطم بعد نقلها إلى وثائق أكبر، وإن وجود هذه الرقم بالقرب من الجناح الإداري، ولكون هذه الرقم تتضمن تسجيلات شهرية وسنوية وحسابات فإن هذا يدعونا إلى القول بأن كل نشاط إداري كان موثقاً من قبل الإداريين في القصر وأحياناً من قبل الملك شخصياً، وقد قلد كتّاب "إبلا" طريقة حفظ الوثائق والكتابة التي عند السومريين واستعملوا نفس الأصناف من التوثيق ونفس العبارات مثل توزيع، تسليم، إخراج، ثم طور كتّاب "إبلا" تقاليد كتابية خاصة بهم متجاهلين النظام السومري الرافدي ومضيفين لغتهم السامية إلى العديد من الصيغ السومرية، لذا نرى نظاماً كتابياً مزدوجاً منه ما هو مستعار ومنه ما هو محدث من قبل كتّاب "إبلا"، معظم الأرشيف يمكن أن يؤرخ بمنتصف القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد وهي المرحلة التي سبقت عصر "سرجون الأكادي" (2340-2284) ق.م، وهو يغطي بانتظام فترة ثلاثة ملوك، وتحديداً ما يقارب الأربعين إلى الخمسين عاماً وهي فترة "إجريش خلب– إركب دامو– إيشار دامو"، صحيح أن الوثائق غير مؤرخة لكن أشير إلى بعضها بأسماء الأشهر».

هيكل تصويري لمكتبة إبلا