الشيف "سليمان عوكان" من الأشخاص المهتمين بجلب وصفات مطبخية لمأكولات سورية من الرُقم المسمارية القديمة، فهو أحد الخبراء الذين يبحثون عن كيفية تصنيع هذه المأكولات والحكم التقني على مستوى حرفيتها، من حيث تجانس المواد واتفاق أطعمتها، وطريقة طهيها.

موقع "eSyria" التقلى بالسيد "سليمان" ليحدثنا عن تجربته في المطبخ السوري وعن كل هذا الإرث المعرفي المطبخي الذي تراكم بين أوراق دفاتره خلال بحثه في تاريخ المنطقة، فكان لنا معه هذا الحوار.

*حدثنا عن فكرة دخولك لعالم الطبخ مبتدءاً من المعهد الفندقي بدمشق؟

كتاب الفلاحة النبطية

**نعم البداية كانت بدخولي للمعهد الفندقي بدمشق، هذا الخيار الواضح والواسع الذي درسته وتعمقت فيه، حيث قررت منذ دخولي المطبخ في المعهد الفندقي أن أتقن العمل في هذه المهنة والدراسة، فعشقت المطبخ ووصل بي الحال إلى أنني لم أكن أخرج من المطبخ لساعات متأخرة. نتيجة هاجسي الشخصي بقراءة الثقافات المختلفة تعمقت في أصول المطابخ العربية، ولفت نظري في إحدى المرات خلال قراءتي لكتاب "لغز عشتار" للكاتب "فراس سواح" مقطع في ملحمة "الخلق البابلي"؛ يتحدث فيها عن الخبز البابلي، فكانت اللمعة الأولى لتخصصي في هذه الدراسات، ومن ثم بدأت أبحث عن ذكر الطعام في الميثولوجيا القديمة، واكتشفت أشياء عجيبة تتعلق بالزبدة والبرغل واللبنة ومواد أخرى، فوسعت حلقة بحثي إلى أن وجدت أن هناك مستشرقين تحدثوا عن أصالة وعراقة هذه الأطعمة في المنطقة، وأهمهم "جان بيرو" و"ديفيد وينز" فترجمت الكتابين وتوضح معي أشياء أعمق بكثير في عالم الطبخ.

*هل لك أن تحدثنا عن بعض المأكولات أو الأطعمة المتواجدة في المنطقة منذ القدم؟

سليمان عوكان

**إنني توصلت إلى مراحل كبيرة وعميقة، فبحثت في أصول هذه الأطعمة المنسوبة إلى مطابخ أوربية وهي بالأصل سورية خرجت من حضارتنا، فمثلاً كلمة الكباب هي باللغة الأكادية تعني اللحمة المفرومة على الحطب، و"العكيكة" هي طبخة لبن توضع فيها اللبن والبصل مع البرغل وهي "الشاكرية"، من هنا رأيت أننا أصحاب حضارة قيّمة في مجال الطبخ، وأتضح لي أن القدماء في هذه المنطقة بذلوا جهدهم في هذا المجال فصنعوا عدة أنواع من الخبز /350/ نوع بأطعمة الفواكه المتوفرة في المنطقة، في الوقت الذي تتسابق فيه اليوم الشركات الكبيرة على هذه النكهات في مجال الخبز، هذه الأطعمة التي استخدمت في مفاصل تاريخية قديمة في حضارتنا.

*هل لنا أن نقول أن القدماء كانوا سباقون في اكتشاف عوالم المطبخ السوري؟

من الأطباق الدمشقية

**خلال بحثي لاحظت أن القدماء استنبطوا أدوات لازمة لهذه الأطعمة فصنعوا التنور ذات الفتحات السفلية التي تستخدم لدخول الهواء وخروجها إليها، وهنا تجذرت في حضارة المنطقة التي تميزت في القديم وبخلاف ذلك، كان التنور هو الجهاز المستخدم لتحضير الخبز، والذي تعود أصوله إلى منطقة "وادي الرافدين"، والذي يمكن التحكم تماماً بناره من خلال فتحاته، وكانت ملحقاته الكثيرة دليلاً واضحاً على أن عملية الخبز في المدينة عملية أكثر تعقيداً من مثيلتها عند البدو الرحل، ونذكر من هذه الملحقات محراكاً لإذكاء النار، ومنديلاً خاصاً لمسح الرطوبة، وصنارة لإخراج الخبز من التنور إذا سقط، ناهيك عن أدوات الخباز نفسها، من شوبك، وجفنة للعجن، ومحل لتنظيف الجفنة، ومحلب خشبي لحفظ الخميرة، وريش لترييش العجينة، من هنا نلاحظ أنه كان للقدماء دور كبير في استكشاف هذه العوالم لمطبخ المنطقة رغم قلة توفر المواد اللازمة آنذاك.

*ماذا تحدثنا عن مدى ارتباط المطبخ السوري وعمقه الحضاري بالشعوب التي سكنت المنطقة؟

**إن المطبخ لايرتبط بأي مكان بشكل عضوي، فكل المناطق السورية تحتوي على نفس المأكولات ولكن بطرق وأشكال عديدة نتيجة توفر المواد الأولية أو اللازمة لطبخة معينة، فدمشق كانت جاذبة لكل الثقافات وهنا لا نستطيع أن نقول أن هذه الطبخة شامية أو حمصية لأنها خليط من عدة ثقافات وحضارات، حيث نرى أن هناك حضور قوي للمطبخ الشركسي والكردي والدمشقي والحلبي في سورية وذلك يعود لعمق هذه الشعوب في حضارة بلاد الرافدين والشام.

*كان ومازال الخبز سيد الطعام هل لذلك ارتباط بأمور دينية أو بطبيعة المنطقة الزراعية؟

**الخبز كان سيد الطعام ومازال عبر الحضارات والسبب في ذلك هو أن أول تدجين زراعي كان لحبة القمح، وهي مقدسة ليس بالمعنى الديني وإنما بالعرف الاجتماعي، فهو مرتبط بذهنية شعب المنطقة وهو أول ما أكله وقدسه الإنسان، بالإضافة أنها أول نبتة زراعية استخدمت في الطعام بأشكال ونكهات عديدة، فحتى المسيح مثلاً لم يختار إلا الخبز لتكون مادة مقدسة لدى إطعامه لتلاميذه حيث قال "كلوا هذا هو جسدي" من المنطلق والعرف الاجتماعي وليس الديني.

*هل لك أن تحدثنا عن غزو المأكولات الغربية لمطابخنا الشرقية؟

**إن استعادة الثقافة التأسيسية للمطبخ السوري والشرقي هو استعادة هذا المطبخ أو ثقافته، فمشكلة غزو المطاعم الفرنسية والسويسرية والأميركية والطليانية لبلادنا مرتبطة بعدم وعي المعنيين بأهمية الحفاظ على التراث المطبخي الشرقي أو السوري لدينا، وهنا يجب أن يكون لنا دور في الحفاظ على مطبخنا المرتبط بحضارتنا، فإن الطبيخ ثقافة شعبية كبيرة وعلى المرأة والرجل القيام بدخل هذه الثقافة إلى مراحل العولمة التي تجسدت ببعض المأكولات الأجنبية مثل "البيتزا" مثلاً ونسيان "فطيرة الجبنة" أو "الزعتر"، فليس غزو المطبخ "الإيطالي، الفرنسي، وأخيراً الأميركي" التي احتلت مكانة مميزة في الثقافة العامة إلا من ناحية تقليد الطبقة الأعلى، حيث إن البيوت العربية بعراقتها وقدمها وحضارتها تحولت إلى مطاعم صينية مثلاً في معقل التاريخ "دمشق القديمة"، فأين المطبخ "الشركسي والأرمني والكردي" المتواجدة في حضارتنا السورية، يجب أن لانطمس معالم مطبخنا بهذه الطريقة، فلا يبرر هذا الطمس ما يسمى بالموضة.

*هل كانت لتعدد الحضارات المتواجدة في المنطقة ارتباط بتعدد المأكولات فيها؟

**الأمر النبيل الذي نلاحظه من خلال استحضار قصة الطعام قديماً أنه لم يقم أحد بنسف الثاني، فكل الحضارات في بلاد الشام والرافدين كانت مكملة لبعضها وبنيت على ما أنجز سابقاً وبإضافات جديدة، وكل المطابخ الموجودة في منطقتنا أضافت شيئاً جديداً للذي قبله من خلال جلب واكتشاف مواد غذائية وأطعمة جديدة، وكتاب "الفلاحة النبطية" المعروف يتطرق إلى هذا الموضوع بشكل أوسع.

*ماعلاقة الغذاء في النفس؟

**الغذاء له علاقة كبيرة في النفس، فمثلاً الفتيات تحبذن طبخ التبولة بكثرة لأنها سهلة وتدور حولها الأحاديث، إضافة إلى أن هناك أطعمة مصنفة هرمونياً للذكر والأنثى كلاً حسب طبيعة جسمه، فخلال رجوعنا إلى الرُّقم المسمارية والألواح القديمة نلاحظ أن وصفات الأطعمة والمأكولات كانت مدروسة حتى من الجانب النفسي والصحي.

*خلال بحثك الطويل في المطبخ الشرقي بشكل عام والسوري بشكل خاص، ماالهدف الذي تسعى للوصول إليه؟

**إنني أستلذ بجلبي لوصفات أطعمة قديمة مرتبطة بحضارتنا السورية، وكما أرى أنه من الضروري أن نتحدث عن هؤلاء المستشرقين الذين تحدثوا عن ارتباط هذه الأطعمة بتاريخنا وتاريخ بلاد الرافدين والشام التي تمتاز بتعدد المعتقدات والأديان وتمازجها بشكل حضاري،

فلدي تقريباً مايقارب /90/ وصفة للمأكولات القديمة التي كانت في المنطقة ومنها ماكانت بأسماء أخرى وتبدلت، ومن خلال هذا البحث أرى أن من واجبي كخبير مطبخي شرقي أو سوري أن أوثق هذه الوصفات وأظهرها وأدخلها لمطبخنا الحديث الذي يواكب العولمة من كل جهاتها.