«"العوينة" تسمية محلية لها مدلولها، فهي تعني "الثغرة الضيقة" ذات الجوانب القائمة القليلة العمق، وهنا هي وادٍ أو مجرى للسيول طويل ومستقيم بطول /1/ كيلو متر وعرض /3/ متر، وعمق/2.5/ متر، حفر بشكل عمودي ويرتفع /490/ متراً عن سطح البحر في منطقة "الشيخ علي" نزولاً ليصل ارتفاعه في قرية "السبيل" إلى /475/ متراً، ولا يمكن بهذه الحالة أن تحفره الطبيعة بهذه المواصفات».

في مهمة ميدانية قام بها موقع eSyria برفقة الأستاذ "حسن القطريب" الباحث في الآثار، على وادي "العوينة" يوم الثلاثاء 23 حزيران 2009.

هو قناة صرف لتفريغ المياه الزائدة من سهل "الشيخ علي"، كما أنه كان وسيلة لدرء خطر فيضان السيول عن مدينة "سلمية"، إضافة إلى كونه قناة جر وإيصال المياه إلى مناطق زراعية لإروائها

يحدثنا الأستاذ "حسن" فيقول: «إن سهل "الشيخ علي" الرسوبي أحد مستويات الأساس الداخلية الهامة في حوضة "سلمية" والذي يقع في الجنوب الشرقي من المدينة على ارتفاع /490/ م عن سطح البحر، ومساحته /12/ كم2 ومن أطرافه الشمالية يبدأ "وادي العوينة" عند التقاء هضبة "المكلسة" بهضبة "السبيل" بفتحة أو قناة أو شقة تسمى "العوينة" وإلى هذه المنطقة يصل وادي "الزلعوم" القادم من الشرق من قريتي "المفكر" و"بري الغربي" الذي أقيمت عليه طاحونة مائية قديمة عند سد "تل التوت" الحالي، ويسير هذا الوادي جنوب هضبة "الحوارة" في "السبيل" مسافة /2 كم/ بخط مستقيم، وهذا ما يؤكد العمل الصنعي البشري، وهذا الوادي يروي شمال سهل "الشيخ علي" ثم يصطدم بهضبة "المكلسة" حيث ينتهي، كما كانت هناك طاحونة أخرى عند "قناة السبيل"».

الوادي أثناء مروره في "السبيل"

وبالعودة للوادي الآخر "العوينة" الذي يشكل "مجْري سعن سلمية" بعد اجتيازه هذه الفتحة المذكورة والذي يحيط بأطراف "سلمية" الشرقية، سنرى أن هذا الوادي ليس طبيعياً وإنما حفره الإنسان أيضاً، وذلك للأسباب التي يذكرها الأستاذ "حسن" فيقول: «حماية الأراضي المزروعة في سهل "الشيخ علي" من تعرضها للتفريق أو ازدياد مساحة الأراضي شبه المستنقعية في السنوات المطيرة لأن الزراعة مورست في هذا السهل منذ القديم فقد وجدت سكة فلاحة حجرية من عهد البرونز.

الأمر الثاني هو ضرورة نقل وإيصال المياه والطمي إلى سهول زراعية تحتاجها كسهول (الشادوف – المنطار – المخربط)، إضافة إلى أن قناة "العوينة" عند اجتيازها ضهرة "السبيل" بالاتجاه غرباً ليس لها ميول جانبية منتظمة فالجهة الشمالية اليمنى لا يوجد لها ميل جانبي نهائياً، بينما نجد ذلك في الجنوبية ثم إن الوادي كان قادماً من الشرق وأصبح يتجه إلى الشمال بزاوية قائمة وإن فرق الارتفاع بين البداية والزاوية القائمة يمكن من اندفاع المياه وبالاتجاه المطلوب، لهذه الأسباب حفرت "العوينة"».

يتقاطع الوادي مع هضبة "الشادوف"

ومن خلال الدراسة الجغرافية للمكان تبين للباحث الأثري "حسن القطريب" أن هناك معلومات هامة وضرورية يجب عرضها، فيقول: «من الثابت في الجغرافية الطبيعية (المورفولوجيا - والهدرولوجيا- والتكتونيك) أن الأودية، والمجاري المائية مهما كان حجمها تترافد بزاوية حادة، وعندما تغير مجراها واتجاهها ترسم نصف دائرة على شكل قوس أما الزاوية القائمة تحدث (تتكون) من أسباب أربعة، هي:

  • وجود انهدام كبير رئيسي تتعامد معه صدوع صغيرة نسبياً تسمى "الصدوع الريشية" والتي تجبر المياه على اتباع الاتجاه المفروض عليها

  • أنها تتكون في مناطق الحت الكلسي (الكارستي) الجوفي ثم السطحي

  • تعرض كتلة صخرية قاسية لمجرى مائي فيضطر أن يدور حولها حافراً (كوعاً) متعمقاً على شكل زاوية شبه قائمة (الأكواع المفروضة)

  • السبب الرابع هو في حالة الأسر النهري».

  • بعد خروجه من "السبيل" باتجاه "بركان"

    وبما أن هذه الأسباب جميعها غير موجودة هنا مما يؤكد نفي الأسباب الطبيعية لرسم مجرى الوادي بالاتجاه شمالاً

    لذلك لم يبق إلا العمل البشري الصنعي، والذي تؤكده الخرائط الطبوغرافية بمقاييسها المختلفة للأسباب التي يذكرها، وهي: «السبب الأول: تكون منحنيات التسوية كثيفة ومتقاربة وشبه متراكبة إذا كان فرق الارتفاع كبيراً، ومن الرجوع إلى مصور سلمية الطبوغرافي 1/25000 نجد أن وادي "العوينة" في منطقة "السبيل" عند تغيير مجراه من الشرق إلى الشمال وبزاوية لها جوانب حادة وخطوط التسوية عندها تكون كثيفة نسبياً في البداية. السبب الثاني: من منطقة البداية وحسب المقاطع الطبوغرافية يتضح لنا أنه وبمسافة شبه متساوية /2.5 كيلو متر/ نحو الشمال والشمال الغربي والغرب يكون الارتفاع /461 متراً/، وكذلك أن الوادي وباتجاهه شمالاً يكون متعامداً مع خطوط التسوية وارتفاعه في البداية /477 متراً/ ومن ذلك نستنتج أن الوادي أجبر على الاتجاه شمالاً.

    السبب الثالث: بقاء الوادي بعد أن اتجه شمالاً ملتصقاً، وملازماً لجهته اليسرى الغربية وليس اليمنى وبدون ميول جانبية وهذا مخالف لقانون الانحراف الطبيعي في النصف الشمالي قانون (فيرل – كريولس)، أما السبب الرابع: هو أن جانبي الوادي غير متناظري الارتفاع فالجهة الغربية هي الأكثر ارتفاعاً وتشكل شبه "جرف" نستدل من ذلك أنه عند الحفر وضعت كل كمية التراب على جهة واحدة فقط ولحماية "سلمية" من خطر السيول هذا من ناحية، من ناحية أخرى يفسّر لنا مخالفة الوادي لقانون الانحراف الطبيعي».

    وبعد فترة من الراحة، تابعنا المسير على الأقدام، لنصل إلى ضهرة "الشادوف" وهنا يقول الأستاذ "حسن": «السبب الخامس: هو ضعف الانحدار واعتراض ضهرة "الشادوف" لمسار الوادي وكذلك كثافة النباتات، والأعشاب في طريقه بالإضافة إلى اندفاع كميات كبيرة من المياه القادمة من الشرق عن طريق منطقة "بركان" بعدة أودية أهمها وادي "خشفة"، ووادي "الكر"، هذه العوامل بمجموعها سببت صعوبة تصريف مياه الوادي وساعدت على جعله يتجه غرباً».

    ويضيف متحدثاً عن بقية الأسباب وقد وصلنا إلى السبب السادس والذي يقول عنه: «هو قلة العناية في الأزمنة القريبة، ففي السنوات المطيرة كانت مياه السيول تندفع غرباً وتصل "سلمية" من عدة أماكن عند البداية في "لسبيل"، وكذلك في وسط الوادي عند "التليلات" (معمل تجفيف البصل الحالي) ومن الشمال الشرقي عند الجسر على طريق "السعن" وهنا كانت مياه السيول تتجه جنوباً في مسارات أخرى وبعكس اتجاه الوادي».

    ويتابع قائلاً: «أما السبب السابع: أنه بعد جسر "السعن" وحول ضهرة "المنطار" فإن الوادي يعود لاتجاهه الطبيعي نحو الغرب كما قلنا ويلتقي مع "خط الري" الذي حفر ليساعد في صرف مياه المنطقة الشمالية الشرقية من حوضة "سلمية" وإلى "عين الزرقا" ثم إلى نهر "العاصي" فالمتوسط».

    ثم يضيف: «والوادي عند قوس هضبة المنطار وفي وسط مجراه يوجد أكثر من أربعة جدران على مسافات مختلفة والواحد منها بني "عُمِّرَ" بشكل متعامد مع المجرى بما يشبه السد لكن ما ينفي عنه هذه الصفة أن عرضه وارتفاعه قليلان، وحجارة البناء صغيرة لذلك يمكن أن يكون مجرد جدار لحجز المياه قبل الجفاف صيفاً للاستفادة منها في سقاية المواشي، وكذلك لسقاية الزراعات البسيطة المحلية».

    أما كيف تعاملت الجهات المعنية مع هذا المجرى في السنوات الأخيرة، فيقول الأستاذ "حسن القطريب": «عند حفر وتعميق "المجْري" فإن أراضي سهل "المنطار" تضررت، لأن مياه السيول المحملة بالطمي لتغذية الآبار لم تعد تصل إليها، وحالياً فمياه الوادي "تنفرش" على مساحات واسعة في سهول (الخصيمية الجنوبية – المخربط – عين الزرقا)».

    في النهاية فإن لوادي "العوينة" أهمية، ويمكن أن نستخلص عنه ما يلي، وحسب ما يقول الأستاذ "حسن القطريب": «هو قناة صرف لتفريغ المياه الزائدة من سهل "الشيخ علي"، كما أنه كان وسيلة لدرء خطر فيضان السيول عن مدينة "سلمية"، إضافة إلى كونه قناة جر وإيصال المياه إلى مناطق زراعية لإروائها».

    ويتابع الأستاذ "حسن القطريب" قائلاً: «هناك وادٍ كان يبدأ من حوضة التجمع في غرب هضبتي (المكلسة – السبيل) وكان يتجه غرباً ويلتقي مع وادٍ آخـر قادم من جنوب "تل الغزالة" ليشكلان "سعن الجندي"، وفي "السبيل" كان يوجد عين مياه عذبة هي التي أعطتها هذا الاسم».