كان الشعراء والأدباء قديماً يتجهون إلى ضفاف الأنهار والبحيرات ويتوغلون في الغابات والأدغال بحثاً عن الإلهام فكان الإبداع بأرقى معانيه، أما الآن فطلاب العلم وهواة البحث يجدون البيوت القديمة وسيلة لإرضاء طموحاتهم وإشباع نهمهم للبحث والاكتشاف.
وتضم مدينة "يبرود" الكثير من المعالم الأثرية والبيوت القديمة التي يتناولها الدارسون في أبحاثهم، وتتصف هذه البيوت بأنماط معمارية متميزة تعود إلى المواد المستخدمة في بنائها، فضلاً عن خصوصية المنطقة جغرافياً ومناخياً.
مهمتنا هي رفع بيت قديم، أي أننا نقيس أبعاده، ومساحات غرفه وساحاته وأطوال أعمدته، ونرسمها ونحلل معطياتها معمارياً، ثم نقدمها كحلقة بحث
موقع eSyria حاور بتاريخ 26/4/2009 عدداً من طلاب السنة الثالثة بكلية الهندسة المعمارية في جامعة "دمشق"، وهما يرفعان القياسات عن بيت قديم في حي القاعة بالمدينة.
وعن سبب اختيار هذا البيت تحديداً وهدفه من البحث في نمطه المعماري قال "أنس كريمة": «هذا البيت مؤلف من طابقين، وفي هذه الحالة يكون البحث أفضل من بيت ذي طابق واحد، لأن البيت يضم درج وشرفة وهو ما يغني البحث أكثر. ويشترط في البيت المدروس في بحثنا أن يكون بناؤه من المواد التقليدية كالحجر الكلسي واللبن كما في بيوت "يبرود"، أو الحجر البازلتي كما في "درعا والسويداء" حيث يعمل بعض زملائنا هناك».
وأضاف "كريمة": «مهمتنا هي رفع بيت قديم، أي أننا نقيس أبعاده، ومساحات غرفه وساحاته وأطوال أعمدته، ونرسمها ونحلل معطياتها معمارياً، ثم نقدمها كحلقة بحث».
وسالنا الطالب "يوسف عربش" عن النمط المعماري للبيوت القديمة في "يبرود" فأجاب: «يوجد في "يبرود" عدة بيوت قديمة ومنها بيت "كريمة" القريب من هذا البيت، وبيت "أيوب" الكائن في "سهلة رويس"، والبيوت الموجودة في منطقة "القبع" الأثرية، ومرت هذه البيوت في تطورها المعماري عبر ثلاثة مراحل، غير أن نمطها المعماري متشابه، وما يميزها هو استخدام حجر "النحيت" الكلسي في بنائها بكثرة، حيث استخدم في الواجهات والفتحات والنوافذ، وكانوا ينحتون التاج من قطعة واحدة يصل طولها إلى مترين أحياناً، بينما تجد العمود مؤلفاً من ثلاث قطع كلها منحوتة باليد».
وعندما طلبنا منه المقارنة بين بيوت "يبرود" القديمة وباقي بيوت المنطقة قال "كريمة": «يمكننا من خلال دراسة تفاصيل البيت وبعد الاطلاع على بيوت المنطقة أن نميز البيت "اليبرودي" عن غيره، ففي "يبرود" استفاد القدماء بكثرة من خشب الحور والشيح لتوفره فيها، ويمكن أن تجد في "النبك" بيوتاً قريبة من هذا النمط، أما بيوت "جيرود" مثلاً فإنها تتميز بفنائها الداخلي الكبير، لأنها أكثر حرارة من "يبرود"».
وعبر "عربش" عن أسفه لما تعرض له البيت -موضوع الدراسة- من أخطاء أثناء عمليات الترميم السابقة حيث أدخل فيه الاسمنت، وطلب: «أن تمنع الدولة هدم أو إصلاح هذه البيوت لأن الإبداعات المعمارية فيها ستضيع، وسبق أن تشوهت الأنماط المعمارية القديمة في بعضها، وطرأت عليها تحديثات كثيرة كإزالة أعمدة الرواق (المنطقة التي تقع بين الغرف و"الليوان" ساحة المنزل)، وتمت إزالة البحرة والحديقة».
ومن جهته قال "كريمة": «سأجمع جميع الأبحاث التي أجريت على بيوت "يبرود" في قرص مضغوط وأنشرها، كما يوجد رسالة ماجستير في الجامعة تتحدث عن الأنماط المعمارية لبيوت "يبرود" سأحاول الحصول على نسخة منها لأقدم في المستقبل بحثاً متكاملاً يتضمن اجراءات للحفاظ عليها».
وعند سؤالنا أصحاب المنزل عن شعورهم من إجراء مثل هذه الدراسات في بيوتهم قال "وصفي سعادة": «أقدر ما يفعله الشباب لأنهم يعرفون الجامعيين والناس بتراثنا والفنون التي نملكها وتتعرض للزوال شيئاً فشيئاً، سبق وأن تلقينا عدة عروض لهدم البيت وإنشاء مبانٍ سكنية، غير أن جدي رفض بشدة، ونحاول قدر الإمكان استعادة شكله الأصلي، والحفاظ على ما بقي منه لأنه تحفة نادرة لم يبق مثلها الكثير، رغم أنه تعرض لبعض عمليات الإصلاح الجائرة التي أدخلت الاسمنت على أصالته».
يشار إلى أن "يبرود" تحتوي الكثير من الأمكنة الأثرية كبقايا قلعة النمرود وكهوف الإنسان الأول وقبور يعود تاريخها للعصر الحجري، وتحضر بلدية يبرود لافتتاح متحف خاص بالآثار اليبرودية مكان المركز الثقافي القديم.
