كانت "الرقة" في العصرين الأموي والعباسي مدينة كبيرة، وكانت لها علاقات واسعة مع الريف المحيط بها، وفي "معجم البلدان"، لـ"ياقوت الحموي" ورد ذكر لبعض قرى "الرقة" القديمة، كما أنَّ التنقيبات الأثرية الواسعة التي نفذت في منطقة "الرقة"، على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان، قد رصدت مجموعة كبيرة من المواقع الأثرية من الفترة العربية الإسلامية، بعضها مدن كبيرة مكتظّة بالسكان، والبعض الآخر على شكل ضواحٍ وقرى، تشمل تجمعاً سكانياً كان يمارس الفلاحة والزراعة.

موقع eRaqqa للحديث حول بعض من قرى "الرقة" في العصرين الأموي والعباسي، التقى بتاريخ (10/4/2009)م، الباحث الأثري "محمد العزو"، الذي تحدث لنا قائلاً: «من خلال الفخار والخزف المكتشف في المواقع الأثرية في الفترة العربية الإسلامية، في منطقة "الرقة"، والمصنوع فيها، تبين لنا مدى متانة العلاقة الاقتصادية بين "الرقة" التي كانت تمثل المركز، وقراها المنتشرة في الريف والمحيطة بها.

ومن قرى "الرقة" أيضاً نذكر "الصالحية" وهي من قرى "الرقة" في العصر الأموي، تقع عند موضع يقال له اليوم "صويلح"، شمال شرق "الرقة"، على الضفة الشرقية لنهر "البليخ"، وبالقرب منها "بطياس"، و"دير زكى"، وبين "الصالحية"، و"بطياس"، يقع "تل المزيفرة" الذي كان يسكن فوقه "زفر بن حارث الكلابي"، وكان "المهدي" أول من أحدث القصور بـ"الصالحية"، وقد اختطها "عبد الملك بن صالح"، وفي "بطياس" قصور لـ"عبد الملك بن صالح"، وابنه "علي"، ويشاهد اليوم بعض البقايا لمثل هذه القصور

ومن هذه القرى نذكر قرية تعرف باسم "دامان"، وهي قرية تشتهر بزراعة الخضار والفواكه، تقع غرب مدينة "الرقة" بحوالي /25/كم، عند الحافة الجنوبية الغربية من قرية "سلحبية غربية" الحالية، بإزاء فوهة نهر "النهيا"، الذي لم يبق منه إلا الأثر، وإلى "دامان" ينسب التفاح الداماني الذي يضرب بحمرته المثل، إذ قال الشاعر "الصريع" في وصفه:

من آثار مدينة الفار التي تقع قرية باجدا بجانبها

وحـياتي ما آلـف الدامـان لا ولا فـي قـديم الـزمان

ويقول "البحتري" في وصف "الرقة" وقراها في ذلك الوقت:

من خزف الرقة المكتشف في إحدى قراها

يا دارُ, جادَ رُباك جَوْدٌ مُسـْبِلٌ وغدت تَسُحُّ عليك غاديتانِ

فدَِعِ ادكارَك مَنْ نَأي, وانعَمْ فقد دامتْ لنا اللذاتُ في دامان

الباحث محمد العزو

وينسب إلى "دامان"، "أحمد بن فهر بن بشير الداماني"، مولى بني "سليم"، ويقال له الرّقيّ، توفي في بداية القرن الثالث الهجري، ومن "دامان" اشتقَ الملك "حمورابي" في عام /1695/ق.م، نهراً باتجاه "الرقة"، وهو نفس النهر أو القناة التي اشتقها أو جددّها الخليفة /هارون الرشيد/ في القرن الثامن الميلادي، وأطلق عليها اسم نهر "النيل"».

ويتابع باحثنا "العزو" حديثه عن قرية أخرى من قرى "الرقة" في ذلك العهد فيقول: «ومن قرى "الرقة" أيضاً نذكر "الصالحية" وهي من قرى "الرقة" في العصر الأموي، تقع عند موضع يقال له اليوم "صويلح"، شمال شرق "الرقة"، على الضفة الشرقية لنهر "البليخ"، وبالقرب منها "بطياس"، و"دير زكى"، وبين "الصالحية"، و"بطياس"، يقع "تل المزيفرة" الذي كان يسكن فوقه "زفر بن حارث الكلابي"، وكان "المهدي" أول من أحدث القصور بـ"الصالحية"، وقد اختطها "عبد الملك بن صالح"، وفي "بطياس" قصور لـ"عبد الملك بن صالح"، وابنه "علي"، ويشاهد اليوم بعض البقايا لمثل هذه القصور».

وعن القرى التي وجد آثار لها على الضفة الغربية لنهر "البليخ"، يتابع "العزو" حديثه بالقول: « من قرى ضفة نهر "البليخ" في العصرين الأموي والعباسي نذكر "باجروان"، وكانت تقع على الضفة الغربية لنهر "البليخ"، على /15/كم، شمال مدينة "الرقة"، بالقرب من جسر "شنينة" الحالي، وقد بقي من ذكر هذه القرية تل كبير يعود تاريخه إلى الألف الثالث ق.م، وعلى ما يبدو أنَّ القرية كانت تقع في سفح التل الذي يقع ضمن سهل زراعي واسع، و"باجروان" هي من أعمال "البليخ"، تقع على الطريق التجاري الواصل بين "الرقة" وبلاد الرافدين، وكانت مشهورة بأراضيها الزراعية التي تشرب من نهر "البليخ"، وكانت تعتبر محطة هامة بين "الرقة"، و"رأس العين"».

ويختتم الباحث "محمد العزو" حديثه عن قرى "الرقة"، في العصرين الأموي والعباسي بالقول: «هناك قرية كبيرة تقع شمال مدينة "الرقة"، بحوالي /70/كم، كانت تدعى "باجدا"، وموقعها الحالي عند قرية "سلوك" الحالية، التي كان يطلق عليها سابقاً اسم "باجدا"، وموقعها القديم تل أثري يقع عند الحافة الجنوبية الشرقية لبلدة "سلوك" الحالية، وقمة هذا التل مرتفعة عن الأراضي المحيطة به، وهي مغطاة بالقبور الحديثة.

و"باجدا" قديماً كانت قرية كبيرة تقع بين "الرقة"، و"رأس العين"، وكان القائد الأموي "مسلمة بن عبد الملك"، أقطع موقعها لرجل من أصدقائه يدعى "أسيد السلمي"، الذي بناها وسورها وكانت "باجدا" مشهورة ببساتينها، وتشرب من عين ماء غزيرة، يشرب منها الناس أيضاً، وما فَضُلَ يسقى بها الزرع والشجر، وفي فصل الشتاء تكثر فيها مياه الأمطار كونها تقع بالقرب من الخط المطري الأول، وبالقرب منها يقع حصن "مسلمة بن عبد الملك"، الذي يدعى مدينة "الفار"، ومن أهلها "محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد الحراني"، الذي يعرف "بابن تيمية"، وتيمية هو اسم لجدته، التي كانت واعظة البلد، وكان شيخاً نافذ الأمر في أهله، مطاعاً، وعالماً في أصول الدين والفقه، توفي سنة /621/ للهجرة».