ظلَّ الغرب وتقدمه الشغل الشاغل للمفكرين المسلمين منذ الطهطاوي وشكيب أرسلان مروراً بمحمد الغزالي وسيد قطب ومحمد قطب وعبد الوهاب المسيري وصولاً إلى محمد سعيد رمضان البوطي، مؤلف هذا الكتاب.
وهو عميد كلية الشريعة بدمشق وله أكثر من ثلاثين مؤلفا.. الكتاب يضم مقالات متفرقة ألقاها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في مؤتمرات دولية، يرى فيها الغرب متآمرا أساسيا على الإسلام والمسلمين، بتصنيعه الإرهاب وتصديره إلى العالم الإسلامي.
يشير البوطي إلى وثيقة الزعيم الشيوعي تولياتي (توفي 1969) وتوصيات وليم كليفورد رئيس معهد الإجرام في استرالية (1991) الذي كشف فيها المخاوف الغربية من الإسلام لا من التطرف الإسلامي، و حذر من انبعاث الإسلام ومن قوة العقيدة الإسلامية المستندة إلى موقع الجغرافية العربية وموادها الخام خاصة النفط، ونبه إلى ضرورة عدم الهجوم على الإسلام مباشرة، ونصح بالتسرب إلى بنيانه بالدعوة إلى تعطيل السنة، وإحياء المذاهب والاجتهادات الإسلامية وتأليبها على بعضها.
يثق المؤلف ثقة أكيدة في انبثاق الإسلام من الغرب، فقطار التكنولوجيا انتهى بالغرب إلى طريق مسدود، و يعترف بأن أخلاق الشارع الغربي قريبة من موازين الإسلام وقيمه الإنسانية العادلة؟ ربما ذكرنا بتعبير شهير للطهطاوي يقول فيه: (في أوربا إسلام بدون مسلمين وفي ديار الإسلام مسلمون بدون إسلام)!
يضع البوطي مفهوم المعرفة الغربي المتداول في الكتابات الفلسفية والفكرية تحت المجهر الإسلامي، وهي في مظانها الغربية ثمرة معاناة تتقاصر عن بلوغ اليقين، وثمة طريقين غربيين للوصول إليها؛ الأول تجريبي يسمى علماً والثاني فلسفي يسمى معرفة، وقد ثار على الثانية العالم الفلسفي والتربوي جون ديوي الذي دعا إلى الانصراف إلى العلم التجريبي والصناعي المهني المفيد بدلا من الانفعال الفكري العقيم.
الرؤية الإسلامية برأي الكاتب ترشد المفهوم الغربي للمعرفة، وتضع الرائي من الكون أمام جهاز متناسق متفاعل، والقرآن هو المنهج والسبيل للمعارف كلها، فالأصل هو النقل والعقل يأتي تاليا، وهو بذلك يتفق مع المفكر المغربي طه عبد الرحمن الذي وصل إلى أن (مرتبة الاستشهاد تعلو على مرتبة الاستدلال، والأصل في الأقوال هو الاعتقاد وليس الانتقاد، فكل إنسان معتقد وليس منتقدا)
يعتبر المؤلف أن الصحوة الإسلامية كانت صحوة عواطف ووجدان لا صحوة عقل، ولذلك تحولت إلى هياجات وخصومات، ويذكر أرقاما كبيرة للجرائم الأمريكية تشير إلى أن الغرب يتجه إلى الانحطاط( يمكن أن نتذكر شبنغلر) وأن المستقبل للإسلام، فالإسلام سيتربى في حضن الغرب كما تربى النبي موسى في حضن فرعون، دليل ذلك سرعة انتشار الإسلام في الغرب.
الإسلام آت من هناك لعدة أسباب: الأول هو ركام النقول الدينية الركيكة التي لا ترقى إلى اليقين العقلي وتخفق في إجابة أسئلة الإنسان الغربي، السبب الثاني هو الفراغ الموحش في منهجيات الثقافة الغربية، السبب الثالث هو ما ينتج عن هذين الأمرين من عطش الإنسان الغربي إلى حقيقة هذه الحياة ومصيرها ومعرفة قصة هذا الكون ونهايته التي لا تجيب عليها فلسفاته واعتقاداته، السبب الرابع أن المتع الاستهلاكية والجنسية قد باءت بالنتائج الكارثية.
الإسلام لا يزال يحافظ على دعوته الشاملة، ومابرح مرناً قابلاً لكل الأزمان، ولن يكون التناقض الذي كان بين الجاهلية الأولى والإسلام الذي تغلب عليها بأكبر من التناقض بين مظاهر الحداثة وبين الإسلام الذي لا بد سيتغلب عليها، أما ألد أعداء الإسلام فهو الجهل به، ومهمة المسلمين كبيرة في التعريف الصحيح به.
يفك المؤلف في إحدى أهم مقالات الكتاب الالتباس بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية التي كثر النقاش والجدل حولها؛ مصدر الشورى قرآني في حين أن الديمقراطية مصطلح إغريقي.
الشورى سعي تعاوني لبلوغ أحكام الشارع ومقاصده في حين أن الديمقراطية سعي تعاوني للوقوف على رغائب الأمة كلها أو أكثريتها في السياسة والقيادة والحكم. للشورى وجهان، الأول هو وجه الشورى السياسية التي تلتقي مع الديمقراطية في كثير من المعاني والاعتبارات والثاني هو الشورى التشريعية، وهي عبادة تعاونية مثاب عليها، الفرق الأساسي بين الديمقراطية والشورى أن الأكثرية لا تلزم الأقلية برأيها، فحتى الشورى الملزمة لا تطوى رأي الاجتهادات الخاصة في الإسلام.
يعتبر المؤلف أن العلمانية الغربية قنطرة قادت وتقود وستقود الغربي إلى الإسلام أما استيرادها التعسفي إلى ديار المسلمين فجسر إلى الإلحاد وإبعاد للإسلام عن الشارع.
ليثبت البوطي أن الإسلام برئ من اضطهاد الأقليات الدينية يعود إلى وثيقة المهاجرين والأنصار في المدينة( أقدم دستور مكتوب في التاريخ من 52 مادة) التي اعتبرت (يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه) و( لهم ما لنا وعليهم ما علينا).
الخلاصة: في الإسلام المواطنة للجميع.
يشنع البوطي على الفتاوى المتهورة (تحليل القروض الربوية، جواز بقاء المرأة في عصمة زوجها الكافر، جواز عمل المسلم في محال الخمور، جواز ترك الحجاب في الشركات المانعة للتحجب.. ) ويتذكر قول سفيان بن عيينة "أجسر الناس على الفتيا اقلهم علما" ويعتبر الانتهازية السياسية والمالية هي السبب في افتئات الفتاوى الناشزة.
يرى البوطي أن العلمانية الغربية كانت نتيجة صراع العلم مع الكنيسة، وكانت ولا تزال سندا لحقائق الإسلام الذي يدعو إلى العلم، وأن العلوم على اختلافها ازدهرت في المجتمعات الإسلامية التي لم تعان من مشكلة الوصاية الدينية، وبهذا المعنى يرى أن العلمانية لا معنى لها في ظل الحضارة الإسلامية، ويلفت البوطي إلى أن الصهيونية العالمية تضيق ذرعاً بتنامي الإسلام في الغرب وما كانت معركة الحجاب المستمرة سوى ذريعة للتنفير من الإسلام.
يوجه البوطي رسالة ختامية إلى الغرب في أن الإسلام ليس إرهابا مخيفا وإنما سيكون علاجا للفساد الذي يتخبط فيه الغرب من تقديس للآلة، وعبادة للمال، وإدمان على المخدرات وارتفاع مستوى الجريمة..
الكتاب: الإسلام والغرب
الكاتب: محمد سعيد رمضان البوطي
الناشر: دار الفكر. دمشق. 2007
يقع الكتاب في 212 صفحة من القطع الوسط.
