لم تكن قرية المحجار مجرد تجمع ريفي على ضفاف بحيرة طبريا، بل شكّلت لعقود أحد أهم المراكز الإدارية والاقتصادية في منطقة البطيحة بالجولان السوري المحتل.
فقد جمعت بين خصوبة الأرض، وغنى البحيرة، وحيوية التجارة، لتصبح محطة رئيسية لتسويق المنتجات الزراعية وأسماك بحيرة طبريا إلى مختلف المحافظات السورية.
غير أن حرب حزيران عام 1967 أنهت هذا المشهد، بعدما احتلت القوات الإسرائيلية القرية وهجّرت سكانها ودمرت معالمها، فيما بقيت حاضرة في ذاكرة أبنائها بوصفها جزءًا أصيلًا من تاريخ الجولان السوري.
موقع استراتيجي حولها إلى مركز ناحية
تقع المحجار على بعد نحو 35 كيلومترًا جنوب مدينة القنيطرة، وكانت تتبع إداريًا لقضاء فيق قبل احتلال الجولان وأُقيمت القرية إلى الجنوب من تل الأعور المطل على بحيرة طبريا، ويحدها شمالًا العامرية والطواحين، وجنوبًا غزيل والمسعدية، وشرقًا الدردارة، وغربًا بحيرة طبريا.
هذا الموقع منحها مناخًا معتدلًا، وأراضي زراعية خصبة، ووفرة في المياه، الأمر الذي جعلها من أكثر قرى البطيحة نشاطًا، كما تحولت إلى مركز لتجميع وتسويق الأسماك والمحاصيل الزراعية إلى دمشق والسويداء وغيرها من المدن السورية.
ويشير الباحث والمؤرخ محمد زعل السلوم إلى أن المحجار كانت مركز ناحية البطيحة، التي ضمت ست عشرة قرية وسبع مزارع، من أبرزها العامرية، والحسينية، وخوخة، والدردارة العربية، والدوكة، ودير عزيز، وشقيف، وعبارة حامد، وغزيل، وقطوع الشيخ علي، والكرسي، وكنف، والمساكية، والمسعدية، والنقيب السورية، والنقيب العربية، إضافة إلى مزارع القصير والشمالنة والحاصل، وهو ما يعكس الثقل الإداري الذي تمتعت به القرية قبل الاحتلال.
مجتمع متماسك يجمع أبناء الجولان وفلسطين
بلغ عدد سكان المحجار قبل عام 1967 نحو 1200 نسمة، وكان معظمهم يعملون في الزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي. وسكنت القرية عشيرة التلاوية بفروعها المعروفة: آل الطبل، وآل الوني، وآل العمور، كما استقرت فيها عائلات فلسطينية هجرتها نكبة عام 1948، من بينها الشمالنة والكديرية والزناغرة، لتندمج مع المجتمع المحلي في نسيج اجتماعي اتسم بالتماسك والتكافل.
ويستعيد الحاج مصطفى الوني (مواليد 1930)، المعروف بـ"أبو علي المحجار"، في حديثه لمدونة وطن ملامح الحياة الاجتماعية في القرية، مؤكدًا أن التعاون بين الأهالي كان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، خاصة خلال مواسم الحصاد، حيث كان الجميع يتشاركون العمل في الحقول، بينما شكلت المناسبات الاجتماعية والدينية فرصة لتعزيز روابط المحبة والتآلف بين أبناء القرية.
ويضيف أن الضيافة العربية كانت من أبرز سمات المجتمع، إذ يبدأ استقبال الضيف بتقديم القهوة العربية، التي مثلت رمزًا للكرم والاحترام، وفق عادات متوارثة في تقديم الفنجان والدلة، قبل أن تتزين الموائد بأطباق الأرز واللحم في المناسبات والأفراح.
اقتصاد متكامل صنعته الأرض والبحيرة
ويؤكد ابن القرية عمر الجاسم لمدونة وطن أن الزراعة كانت النشاط الاقتصادي الأبرز في المحجار، مستفيدة من خصوبة التربة ووفرة المياه، حيث اشتهرت بزراعة الخضروات المبكرة، إلى جانب الزيتون والتين والعنب والحمضيات والصبار والبطيخ، فضلًا عن القمح والشعير والأرز والبقوليات، ما وفر للأهالي اكتفاءً معيشيًا وعزز النشاط التجاري.
وأضاف..اعتمد السكان على تربية الجاموس والأبقار والأغنام والماعز، إضافة إلى الدواجن والبط والإوز، فيما كانت سهول القرية غنية بالنباتات البرية والطبية، مثل الخبيزة والعكوب والشومر والنفل والنرجس والخرفيش، التي شكلت جزءًا من الغذاء والطب الشعبي.
وتابع حديثه قائلا: لم تكن بحيرة طبريا مجرد حدود طبيعية للمحجار، بل كانت مصدرًا رئيسيًا للرزق. فقد ارتبطت حياة كثير من سكان القرية بصيد الأسماك، في وقت كان يعبر فيه نهر الشريعة، أحد روافد نهر الأردن، وسط القرية، وكانت مياهه تفيض شتاءً حتى تلامس أطراف المنازل، ما أتاح للأهالي صيد الأسماك بالقرب من بيوتهم.
واشتهرت المنطقة بأنواع عديدة من الأسماك، أبرزها المشط الطبراني، والبوري، والكرسين، والحفافي، والشبوط، والسللور، والسردين، وكانت تُجمع في المحجار قبل نقلها إلى الأسواق السورية، لتصبح تجارة الأسماك أحد أهم مصادر الدخل في القرية.
وتميزت المحجار باقتصاد متنوع جمع بين الزراعة، وصيد الأسماك، وتربية المواشي، وهو ما وفر للأهالي مصادر دخل متعددة، وأسهم في ازدهار القرية وتحولها إلى مركز اقتصادي مهم في منطقة البطيحة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة الطرق التي ربطتها بالمدن السورية.
ارتباط بالأرض رغم التهجير
شهدت المحجار، شأنها شأن قرى الجولان، تغيرات اجتماعية واقتصادية بعد الإصلاح الزراعي في مطلع ستينيات القرن الماضي، غير أن حرب حزيران عام 1967 أنهت مسيرة ازدهارها، بعدما احتلتها القوات الإسرائيلية، وهُجّر سكانها قسرًا، ودُمرت منازلها.
أما أبناء القرية، فتوزعوا في مناطق النزوح، ولا سيما في مخيم الوافدين قرب دمشق، لكنهم حافظوا على أسماء الحقول والأحياء والقرى المجاورة، ونقلوا تفاصيل الحياة اليومية في المحجار إلى أبنائهم وأحفادهم، لتبقى القرية حاضرة في الذاكرة رغم غيابها عن الخريطة.
ورغم مرور ما يقارب ستة عقود على تهجير سكانها، لا تزال المحجار تمثل رمزًا من رموز الجولان السوري المحتل، وتجسد قصة قرية صنعتها الأرض والبحيرة والعمل الجماعي، قبل أن يقتلع الاحتلال أبناءها منها.
وبين شهادات كبار السن وذاكرة الأجيال المتعاقبة، تستمر حكاية المحجار بوصفها جزءًا أصيلًا من التاريخ الوطني والتراث الثقافي والإنساني للجولان السوري المحتل، وشاهدًا على ارتباط الإنسان بأرضه مهما طال زمن الغياب.
