لم تعد قرية غزيل في الجولان السوري المحتل سوى ذكرى في ذاكرة أبنائها، بعد أن هُجّر سكانها ودُمّرت معظم معالمها إثر الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967. إلا أن تفاصيل الحياة فيها ما زالت حاضرة في روايات أبنائها، الذين يستعيدون ملامح قرية عُرفت بخصوبة أرضها، ووفرة مياهها، وترابط مجتمعها، لتبقى شاهداً على تاريخ منطقة البطيحة وتراثها.

أهمية جغرافية واقتصادية

تقع غزيل في سهل البطيحة، على بعد نحو كيلومترين شمال شرقي بحيرة طبريا، في منطقة تنخفض قرابة 186 متراً تحت مستوى سطح البحر، وتمتاز بمناخ دافئ شتاءً ومعتدل صيفاً، وبغزارة مياهها بفضل الينابيع والسواقي المنتشرة فيها، وهو ما جعلها من أكثر مناطق الجولان ملاءمة للنشاط الزراعي.

ويقول الباحث في شؤون الجولان محمد سلوم لمدونة وطن إن القرية كانت تتبع ناحية البطيحة في منطقة فيق بمحافظة القنيطرة، وبلغ عدد سكانها قبل الاحتلال نحو 1403 نسمة وأضاف أن موقعها، إلى الجنوب من بلدة المحجار مركز الناحية، وعلى الطريق الواصل بين قرى البطيحة وفيق والقنيطرة، أكسبها أهمية جغرافية واقتصادية داخل المنطقة.

من قرية غزيل

مياه وفيرة وأرض خصبة

الزميل محمد العمر مع الشيخ صالح رخيص

ويستذكر الأستاذ صالح رخيص، شيخ السماعنة من عشيرة المصالحة وأحد أبناء القرية (مواليد 1955)،في حديثه لمدونة وطن طبيعة الحياة في غزيل، قائلاً إن القرية كانت محاطة بقرى الحسينية وقطوع الشيخ علي والمسعدية، وتتمتع بإطلالة مباشرة على بحيرة طبريا، الأمر الذي وفر مناخاً مناسباً للزراعات الباكورية.

وأوضح أن الأهالي اشتهروا بزراعة الحمضيات والزيتون والتين والصبار، إلى جانب القمح والشعير والخضروات المبكرة، فيما اعتمدوا أيضاً على تربية الأبقار والأغنام والماعز، التي شكّلت مع الزراعة المصدر الرئيس لدخل السكان.

مياه وفيرة وأرض خصبة قرب طبريا

وأضاف أن وفرة المياه، بفضل الينابيع والآبار السطحية ومياه الأمطار، أسهمت في ازدهار الإنتاج الزراعي، بينما وفر قرب القرية من بحيرة طبريا فرصة لممارسة صيد الأسماك بصورة محدودة، إلى جانب النشاط التجاري مع قرى البطيحة ومدينة القنيطرة.

عشيرة المصالحة... جذور ممتدة

وعن البنية الاجتماعية للقرية، أوضح رخيص أن عشيرة المصالحة تُعد من أكبر عشائر المنطقة، وينتهي نسبها إلى الجد جمعة الجرمي، الذي تفرعت ذريته إلى مصلح وعثمان وحمدان وجمعة الصغير.

وأشار إلى أن مصلح بن جمعة الجرمي استقر في قرى غزيل والمحجار وتل عامر والدردارة شمالي البطيحة، فيما توزعت بقية الفروع في قرى الجنوب.

وبيّن أن عشيرة المصالحة تضم ثلاثة عشر فخذاً وعائلة هي: السماعنة، الذيابات، سويلم، رضوان، الفرج (رمضان)، العماشقة، الموسى، البيتانوني، الجوادرة، داوود، الغزي، الخليفات، والهواني، مؤكداً أن هذه العائلات شكّلت مجتمعاً مترابطاً يقوم على التعاون والتكافل.

طابع جولاني أصيل

من جانبه، يستعيد الأستاذ محمود قاسمان تفاصيل الحياة الاجتماعية في القرية، موضحاً أن الأعراس كانت تبدأ بسهرات شعبية يحييها الأهالي بالدبكات الجولانية على أنغام المجوز والشبابة، بينما يشارك أبناء القرية جميعاً في تجهيز بيت العريس ومساعدة أهل العروس.

وأضاف أن "الفاردة" أو موكب الزفاف كان ينطلق على ظهور الخيل وسط أجواء احتفالية تستمر يوماً أو أكثر، بحسب إمكانات الأسرة.

وأشار قاسمان إلى أن الكرم كان من أبرز صفات أهالي غزيل، حيث يُستقبل الضيف بالقهوة العربية في المضافة أو الديوان، ثم تُقدم له منتجات القرية من اللبن والسمن البلدي والأطعمة التقليدية، فيما كانت المناسف تُقام في المناسبات الكبرى، وتتجلى مظاهر التكافل بين الأهالي في الأفراح والأتراح ومواسم الحصاد.

آثار تحكي تاريخ المكان

ولا تقتصر أهمية غزيل على بعدها الزراعي والاجتماعي، إذ يؤكد أبناء القرية أنها تقع ضمن منطقة غنية بالآثار التي تعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة، حيث تنتشر بقايا الأبنية القديمة والحجارة البازلتية المنحوتة وصهاريج المياه والمنشآت الزراعية.

إلا أن معظم هذه المعالم تعرض للإهمال أو التخريب بعد الاحتلال الإسرائيلي، شأنها شأن كثير من المواقع الأثرية في الجولان المحتل أما على صعيد الخدمات، فلا توجد معلومات موثقة تؤكد وصول الكهرباء إلى القرية قبل عام 1967، رغم وصولها إلى بعض قرى المنطقة خلال ستينيات القرن الماضي، بينما اقتصرت الخدمات آنذاك على الطرق الريفية والآبار والمنشآت الزراعية الأساسية.

غادرها أهلها قسرًا ولم تغادرهم

في حزيران عام 1967، أُجبر سكان غزيل على مغادرة قريتهم بعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لتلقى القرية المصير ذاته الذي واجهته عشرات القرى السورية المهجرة، حيث دُمّرت معظم منازلها وتبدلت ملامحها.

ورغم مرور ما يقارب ستة عقود على التهجير، لا تزال غزيل حاضرة في ذاكرة أبنائها، الذين يروون تفاصيلها للأجيال الجديدة، ويستحضرون تاريخها وتراثها بوصفها واحدة من القرى التي شكّلت جزءاً أصيلاً من هوية البطيحة والجولان السوري المحتل فهم غادروها قسرًا ولكنها لم تغادرهم