ليست خويخة مجرد قرية سورية دُمّرت عام 1967، بل هي ذاكرة حيّة تختزن في حجارتها البازلتية وسهولها وينابيعها حكاية كتبت فصولها كرم الطبيعة وتكافل الناس ومحبتهم، وبقيت حاضرة في الوجدان الجولاني من خلال الرواية الشفوية التي تناقلها أبناؤها جيلاً بعد جيل.
أرض البازلت بين التلال والينابيع
تقع قرية خويخة، بحسب ما يشير إليه المؤرخ محمد خير عيد في كتاباته حول الجولان، على تخوم وادي زيتة من جهته الجنوبية، وعلى مسافة تقارب خمسة كيلومترات شمال شرقي بحيرة طبريا، وترتفع نحو 343 متراً عن سطح البحر.
وتتموضع القرية على السفح الشمالي الغربي لتل يوسف، مقابل تل أبو خنزير، بينما يشق وادي الدلهمية أراضيها باتجاه الجنوب، ما جعلها نقطة وصل بين سهول زراعية خصبة وتلال بركانية. كما تبعد نحو عشرة كيلومترات عن مدينة القنيطرة باتجاه الجنوب الغربي.
ويصف عيد خويخة بأنها قرية ذات أرض بازلتية وعرة، غنية بالمراعي والزراعة البعلية، وتحيط بها ينابيع طبيعية شكّلت المصدر الأساسي لمياه الشرب والري، من أبرزها عيون حمود وينابيع زيتا وصباحية، وهي جزء من شبكة مائية تصب في بحيرة طبريا.
ويرى عيد أن وفرة المياه أسهمت في انتشار زراعة الزيتون والخضار المروية، فيما تنتشر حول القرية تلال أثرية تضم بقايا رومانية وبيزنطية، تشمل أعمدة حجرية ومعاصر زيتون وفخاراً قديماً.
الحجر والتربة… هوية المكان
وتتكوّن تربة خويخة، بحسب الباحث عيد، من خليط بركاني غني بالبازلت، منح القرية لونها الداكن المميز. وقد شكّلت الحجارة السوداء المادة الأساسية للبناء، فيما استُخدم الطين لتثبيت الجدران، ما جعل المنازل ملائمة لطقس الجولان القاسي. ويعكس هذا النمط العمراني البسيط أسلوب حياة ريفياً قائماً على الاكتفاء الذاتي والزراعة والرعي.
ويضيف محمد المحمد أبو نضال أحد أبناء خويخة أن بيوتها شُيّدت من مواد البيئة المحيطة، حيث استُخدمت الحجارة السوداء الممزوجة بالطين والخشب، مع أسقف من القصب والتراب.
ويؤكد أنه لم تكن هناك بنية تحتية حديثة قبل عام 1967، فالطرق كانت ترابية، والكهرباء غير متوفرة، فيما كان الأهالي يجلبون المياه مباشرة من الينابيع. كما تشير شهادات كبار السن إلى أن بعض حجارة المنازل تعود إلى فترات رومانية وبيزنطية، ما يدل على عمق تاريخ الاستيطان في المكان
وأضاف أبو نضال، أن سكان خويخة اعتمدوا في معيشتهم على زراعة الحبوب والبقول بعلاً، إضافة إلى الزيتون والخضراوات، كما اشتهرت القرية بتربية الأبقار والأغنام والماعز، إلى جانب وجود بعض الجمال.
ويشير إلى أن غذاء الأهالي كان يعتمد بشكل رئيسي على منتجاتهم المحلية من اللحوم والبيض والألبان والسمن والزبدة، وهي عناصر شكّلت أساس المائدة الريفية الجولانية.
طقوس مجتمعية راسخة
بدوره، يؤكد أبو عمر عدنان الشبول، أحد أبناء خويخة والمقيم حالياً في سبينة، أن القرية كانت موطناً لمئات العائلات من الفلاحين والرعاة، وتنتمي غالبيتهم إلى عشيرة البحاترة ذات الجذور الطائية.
ويصف الشبول المجتمع في خويخة بأنه مجتمع مترابط، يقوم على التعاون في مواسم الزراعة والحصاد، ويحكمه احترام كبير للروابط العائلية والعشائرية، مشيراً إلى أن الضيافة كانت سمة أساسية، حيث تُقدَّم المناسف واللحوم في المناسبات، ويُدعى وجهاء العشائر للمشاركة في الأفراح.
ويتحدث الشبول عن المضافات الجولانية بوصفها مركز الحياة الاجتماعية في القرية، إذ كانت رمزاً للكرم والتكافل، وملتقى للرجال، ومكاناً لحلّ الخلافات وصون القيم والعادات.
ويتابع حديثه..أن كبار السن كانوا يجلسون في صدر المضافة، بينما يتوزع الضيوف وفق المكانة الاجتماعية، في مشهد يعكس التراتبية العشائرية. أما القهوة المرة فكانت عنوان الضيافة، وتُقدَّم وفق طقوس دقيقة، تبدأ بتقديم الفنجان الأول لكبير الحضور، ثم لبقية الضيوف. ويشير إلى أن الامتناع عن شرب القهوة أو إرجاع الفنجان دون شربه يحمل دلالات اجتماعية قوية، وقد يُستخدم لإعلان موقف أو طلب جاهة.
ويروي الشبول أن الأعراس كانت تُقام في ساحات القرية بمشاركة واسعة من الأهالي ففي الجاهة، يتوجه وفد من رجال العشيرة لطلب يد العروس رسمياً، وهو تقليد يمنح العائلة والعشيرة مكانة اجتماعية مرموقة.
وأضاف.. في الزفة، يمتطي العريس صهوة الخيل، وترافق العروس مواكب نسائية بالزغاريد، فيما تُقدَّم الذبائح والمناسف بكثرة، وتُؤدّى الدبكة الجولانية باستخدام السيف والعصا على أنغام المزمار والطبول.
وفي حالات الحزن، كان أبناء العشيرة يجتمعون في بيت الفقيد، ويُقام بيت عزاء في الساحات أو المضافات، وتُقدَّم القهوة المرة ووجبات جماعية للمعزين، مع التزام النساء بارتداء السواد وتوقف مظاهر الفرح لفترة حداد، وكان للشعراء دور بارز في رثاء الموتى.
عمق التاريخ وجريمة الاحتلال
وبحسب شهادات كبار السن من أبناء القرية، كشفت التنقيبات في محيط خويخة عن وجود معاصر زيتون قديمة** تعود للعصور الرومانية والبيزنطية، إضافة إلى بقايا أبنية حجرية، ما يدل على نشاط زراعي وصناعي قديم في المنطقة، رغم عدم وجود مطاحن حديثة للحبوب آنذاك.
في عام 1967، تعرّضت قرية خويخة للتدمير الكامل بعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ولم يبقَ منها سوى أطلال متناثرة. وانتقل أهلها إلى دمشق وريفها ومناطق أخرى، حيث اندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة، لكنهم حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم، وعلى ذكرى القرية التي بقيت حيّة في ذاكرتهم الجمعية، شاهدة على تاريخ قرية أُزيلت من الجغرافيا، لكنها لم تُمحَ من الوجدان.
