وُلدت مطحنة «حاج محو» مع ولادة قرية كنكلو عام1936، لتكون واحدة من أبرز المعالم الخدمية والتراثية في المنطقة، ومُعلِنةً آنذاك منافسة مع سبع مطاحن أخرى كانت تنتشر في محيطها. وقد استفادت المطحنة من خطّ السفّان المُغذّي لها بالمياه، لتقدّم خدماتها لأهالي القرية والقرى المجاورة على مدى عشرات السنين.
أهمية اقتصادية في زمن الحاجة
توقّف عمل المطحنة قبل نحو أربعين عاماً، مع انتشار الأفران وتوفّر الخبز دون عناء. إلا أنّ الوصول إلى المطحنة لم يكن سهلاً، إذ حالت كثافة الأشجار دون وصول الحبوب عبر الحافلات، رغم وجود طريق ترابي مخصّص لذلك، ما جعل المنطقة أشبه بغابة كثيفة
تُعدّ مطحنة «حاج محو» من أكثر المطاحن أهميةً وقيمةً في المنطقة، لا سيما في فترةٍ كانت الحاجة فيها كبيرة لطحن الحبوب وتأمين الطحين، وهو ما جعلها مقصداً دائماً للأهالي. ولا تزال ذاكرة أبناء القرية تحتفظ بالكثير من التفاصيل المرتبطة بدورها الخدمي والاجتماعي.
يستعيد عبد الحليم عيسى، أحد وجهاء قرية كنكلو التي تبعد نحو 100 كمعن مدينة القامشلي، تفاصيل تأسيس المطحنة ودورها، قائلاً:
«أُسِّست المطحنة على يد الراحل حاج محو عام 1936، ورغم مرور أكثر من تسعين عاماً على إنشائها، ما زالت حجارتها الصامدة تحكي قصّتها حتى اليوم، ولا تزال أغلب تفاصيلها شاخصة وشاهدة على تلك المرحلة. وتُعدّ من أوائل المطاحن التي تأسست في المنطقة، لذلك كان الإقبال عليها كبيراً».
ويضيف عيسى موضحاً آلية عملها: «كانت فراشات الطحن تعمل بضخّ المياه بقوّة من سدّ السفّان المجاور، إذ جرت العادة أن تُبنى المطاحن قرب الأنهار ذات التدفّق القوي. وقد شُيّدت المطحنة بأيدٍ محليّة، واحتاج بناؤها إلى عدّة حُفَر وأماكن مخصّصة لاستقبال الطحين، إضافةً إلى تجهيزات تستقبل المياه بقوّة لطحن الحبوب».
مطحنة صامتة تروي طقوس المحبة
تحتلّ أيام الجمعة حول المطحنة مكانةً خاصة في ذاكرة من عاصروها. ويقول عبد الحليم عيسى: «توقّف عمل المطحنة قبل نحو أربعين عاماً، مع انتشار الأفران وتوفّر الخبز دون عناء. إلا أنّ الوصول إلى المطحنة لم يكن سهلاً، إذ حالت كثافة الأشجار دون وصول الحبوب عبر الحافلات، رغم وجود طريق ترابي مخصّص لذلك، ما جعل المنطقة أشبه بغابة كثيفة».
ويتابع: «هذا الواقع خلق حالة من التعاون والتكاتف بين الأهالي، حيث كان الجميع يهبّ لمساعدة من يحتاج العون. وكان أبناء القرية يتميّزون بالكرم وحسن الضيافة، إذ اعتُبر زوّار المطحنة زوّاراً للقرية بأكملها. كما تطوّرت العلاقات الاجتماعية بين أبناء القرية والزوّار، وكان هناك تنظيم طوعيّ للدور عند المطحنة، حيث يمنح القريب دوره للقادم من بعيد، إضافةً إلى إقامة الولائم وتقديم المشروبات للضيوف الذين كانوا يمكثون أحياناً ساعاتٍ وليالي بانتظار طحن حبوبهم».
المطحنة في ذاكرة الأجيال
من خلال جدّتها تعرّفت يسرى فيصل علي على أهمية المطحنة، ولا سيما مطحنة حاج محو، وأُعجبت بما نقلته من قصص عن الخدمات الجليلة التي قدّمتها، وعن الروابط الاجتماعية التي نشأت حولها ولا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. وتقول إنّها تمنّت لو عاشت تلك المرحلة، وقد سمعت هذه الروايات من جدّتها، وهي من أبناء القرية التي تحتضن المطحنة.
ومن بين الزوّار الذين قصدوا قرية كنكلو مؤخراً، الشاب جوان نوري، الذي أوضح سبب زيارته قائلاً:
«سمعتُ عن تاريخ القرية الجميل وما تضمّه من رموز أثريّة، وفي مقدّمتها المطحنة، خاصةً أنّها ما زالت تحتفظ بالكثير من تفاصيلها القديمة. لذلك كانت زيارتي تستهدف المطحنة بالدرجة الأولى. هذا الإرث شاهد على عظمة ومكانة من بنوا هذه المنشآت، فلولاها لما توفّر الخبز في ذلك الزمن البعيد، وهنا تكمن أهمية هذه المطاحن».
في هذا السياق، زارت مدوّنة وطن (eSyria) بتاريخ 19 أيلول 2025 قرية كنكلو والمطحنة الموجودة فيها، وأجرت اللقاءات السابقة، في إطار توثيق هذا المعلم التراثي الذي لا يزال شاهداً على تاريخٍ غنيّ بالحياة والعمل والتكافل الاجتماعي.
