في تجربة إنسانية ملهمة، استطاعت رولا النظامي، البالغة من العمر 57 عاماً، أن تحوّل فقدان السند إلى بداية جديدة، وأن تكسر الصورة النمطية للأرملة المعتمدة على المساعدة، عبر الإبداع في الأعمال اليدوية، لتؤمّن مورد رزق كريم لها ولأسرتها، وتفتح في الوقت ذاته باب الأمل أمام فتيات أخريات.
من التعليم إلى الحِرفة
«تعلّمت الخياطة من والدتي منذ كنت في السابعة من عمري، وصناعة الورود من الجوارب الشفافة والساتان والسلوفان في معسكر العاشر، ثم حياكة الصوف بعد تخرجي من الجامعة.
امرأة قوية كسرت قالب الأرملة المنعزلة، وافتتحت مكتبة ومشغلاً، وقهرت ظروفها بالإبداع، واحتضنت أبناءها لتؤمّن لهم حياة كريمة
كما روت المربية رولا النظامي تفاصيل بدايتها مع الأعمال اليدوية،لمدونة وطن وأكدت أن علاقتها بالحرفة تعود إلى الطفولة، وأضافت بعد زواجي صنعت الألبسة الصوفية لأولادي الخمسة، من الشالات والبلوز وملابس الأطفال والطاقيات».
وتابع حديثها.. أنها طوّرت مهاراتها تدريجياً لتشمل صناعة أدوات الزينة وبعض الأدوات المنزلية، مثل علب المتة والهال والشموع المعطرة، مشيرة إلى أن عام 2023 شكّل محطة مفصلية في مسيرتها، حين تعلّمت من ابنتها قمر صناعة السبحات والميداليات والأطواق، وزينة السيارات، والصواني، ولوحات الرزين المزينة بالعبارات أو الورود المجففة.
حكاية تحدٍّ بعد فقدان السند
بعد وفاة زوجها، وجدت رولا نفسها أمام مسؤولية كبيرة في إعالة أسرتها، فتقول:
«فقدت السند ووجدت نفسي أمام تحدٍّ قاسٍ، وأبيتُ الحاجة، فاستأجرت محلاً لبيع المستلزمات المدرسية، وخصصت جزءاً منه ليكون مشغلاً لأعمالي اليدوية».
وتشير إلى أن توفر المواد الأولية في أسواق سلمية وحماة ودمشق شجّعها على الاستمرار والتوسع.
وأضافت..إن مؤسسة الآغا خان قدمت لها منحة مالية بقيمة 22 مليوناً ونصف المليون ليرة سورية لتركيب نظام طاقة شمسية، على أن تسدد لاحقاً مبلغ 6 ملايين ليرة، ما ساعدها على تخفيض التكاليف وضمان استمرارية العمل.
من الفكرة إلى المنتج
وتشرح النظامي آلية صناعة بعض منتجاتها، ومنها السبحات التي تحتوي على خصل شعر أو صور شخصية، موضحة أن كثيرين يرغبون بالاحتفاظ بأثر مادي لهم أو لأحبائهم. وتبيّن أنها تقوم بمزج الرزين مع المصلّب بدقة، ثم صبه في القوالب، وتركه ليجف وفق درجات الحرارة، قبل تجميع الحبات بخيط الحرير في سبحات يتراوح عدد حباتها بين 7 و33 حبة.
أما الشموع، فتوضح أنها تصنعها من شمع الصويا المستورد من دمشق، الخالي من النفط، والمناسب لمن يعانون من الربو والحساسية، حيث يُذاب الشمع ويُضاف إليه اللون والعطر قبل صبه في القوالب. وتؤكد أنها لم تحتكر خبرتها، بل أقامت أربع دورات تدريبية لتعليم الفتيات هذه الحرفة لتكون مصدراً للرزق.
شغف متوارث
من جانبها، تتحدث ابنتها قمر شرتوح (مواليد 1996)، خريجة اللغة العربية من جامعة الحسكة، عن بدايات شغفها بالفن، قائلة:
«منذ طفولتي كنت أهوى قص الورق والرسومات ولصقها على الكرتون، وتطوّر هذا الشغف مع الوقت بالتجربة وفهم طبيعة المواد، مثل الكون كريت، وهو الجبس المعدّل المقاوم للحرارة والماء، وشمع الصويا، والرزين الإيبوكسي».
وتضيف قمر أن علاقتها الفنية بوالدتها قائمة على التأثير المتبادل، فلكل منهما أسلوبها الخاص، مشيرة إلى أن تشجيعها كان عاملاً أساسياً في دخول والدتها عالم الكون كريت والرزين والشموع، مؤكدة أن كل قطعة تنجزها تبدأ كفكرة في مخيلتها قبل أن تتحول إلى عمل يشبه روحها وتفاصيلها.
نموذج للإرادة والعمل
«رولا إنسانة مكافِحة وطيبة المعشر، تقضي ساعات طويلة في إنجاز أي قطعة بدأت بمساعدتها منذ أربع سنوات في البيع، لتتفرغ للإنتاج. اشتريت منها هدايا متنوعة، وأسعارها مناسبة مقارنة بالجهد الكبير المبذول» كما أوضحت فادية إسبر (مواليد 1975)، ربة منزل وجارة رولا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأضافت إن رولا مرت بظروف قاسية بعد وفاة زوجها عام 2021، في وقت يواصل فيه أبناؤها دراستهم الجامعية والثانوية.
أما هدى غالي، فتصف رولا النظامي بأنها «امرأة قوية كسرت قالب الأرملة المنعزلة، وافتتحت مكتبة ومشغلاً، وقهرت ظروفها بالإبداع، واحتضنت أبناءها لتؤمّن لهم حياة كريمة»، مشيرة إلى أنها تسوقت من منتجاتها وأرسلتها كهدايا إلى مدن عدة، من بينها سلمية وطرطوس والسويداء.
قصة رولا النظامي ليست مجرد حكاية حرفة يدوية، بل مثال حيّ على قدرة المرأة على تحويل الألم إلى طاقة إنتاج، وبناء مشروع صغير يحمل بعداً إنسانياً واجتماعياً، ويؤكد أن الإبداع قد يكون أصدق أشكال المقاومة في وجه الظروف القاسية.
