كانت الأجواء في "دمشق" عادية؛ هكذا بدأ المخرج المخضرم حديثه في ثقافي "شهبا" مستعرضاً وقائع حرب "تشرين"، وما قام به الإعلام الوطني خلال تلك الأيام، والدراما التي رافقت الحدث معتبراً أن صنّاع الدراما في "سورية" لم يعطوا هذه الحرب حقها.

مدونة وطن "eSyria" التقت المخرج "غسان جبري" ضيف الشرف على مهرجان "شهبا" للتراث والفنون بتاريخ 13 تشرين الأول 2014، الذي تحدث عن وقائع الحرب بالقول: «كانت الأجواء في العاصمة عادية جداً، فالجو كان جميلاً، وفي الليل كانت النسمات الخريفية تدفع الناس إلى شوارع "دمشق" القديمة، فجأة وفي الحارة التي أقطنها قامت الحكومة بوضع خزان ماء كبير، ومولدة كهرباء كبيرة من أجل الأفران، وأفرغت المستشفى تماماً، وهو ما دفع بعض الناس للاعتقاد بأن الحرب قادمة، ولكنهم غير متيقنين من ذلك.

الدراما في الغرب صنعت أفلاماً وثائقية عدة تتحدث عن قدرة الجيش السوري في هذه الحرب، وكانت الدراما في مصر فاعلة في هذا المجال، ولكن هذه الأفلام في "سورية" كانت قليلة بسبب التكلفة العالية لمثل هذا النوع، وقد حاول السينمائيون قدر استطاعتهم وضمن الظروف تخليد عدد من هذه القصص، ولكنها غير كافية، وكل بطل من أبطال الجيش العربي السوري يستحق أن يكون بطلاً في الدراما سواء في المسرح أو التلفاز أو السينما، وأعتقد أن الوقت لم يفت بعد على ذلك

كان يوم السبت السادس من تشرين الأول في العام 1973، عادياً، وكنت موظفاً في التلفزيون الذي كانت برامجه معتادة حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً عندما أطلت عربة النقل الخارجي تسجل خطاب الرئيس الراحل "حافظ الأسد" الذي أعلن الحرب، كان وزير الإعلام "جورج صدقني" الذي أشرف بنفسه على البلاغات مع صوت "فيروز" في أغنيتها الشهيرة "خبطة آدمكن" التي كانت كلمة السر، بعد أن امتص العدو الصدمة كان التلفاز أولى أهدافه حيث أحدثت قنابله فراغاً هوائياً هائلاً، لم نكن خائفين، ونقلنا الأجهزة ليلاً إلى مسرح "أبي خليل القباني"، وقد كان الإعلام السوري رزيناً وواثقاً وصلباً».

يستعرض مشاهد من الدراما عن الحرب

وتابع "جبري" يصف الأحداث ما بعد وقف إطلاق النار: «كانت توجيهات وزير الإعلام الجديد "أحمد اسكندر أحمد" أن نواكب الحرب بالأعمال الدرامية التي تكرس بطولات الجيش العربي السوري والناس الصامدين، حيث قدم "خالد حمدي" نصاً جميلاً للمخرج الراحل "شكيب غنّام"، ومن بطولة الراحل "صلاح قصاص" الذي قال جملته الشهيرة: "ألف حبل مشنقة"، بعد عرضها قال الرئيس حافظ الأسد تعليقاً على التمثيلية: (هؤلاء المجرمين في سورية، فكيف هم الناس البسطاء؟)،

وتتابعت التمثيليات على الرغم من ضعف التمويل والاستوديوهات والديكور مثل: "العريس" أيضاً للمبدع "صلاح قصاص"، "عواء الذئب"، "الولادة الجديدة" من تأليف "إلياس إبراهيم" وإخراج "غسان باخوس"، وبطولة "رشيد عساف"، و"عبد الفتاح المزين"، أما في السينما التي لم تسجل حقيقة ما جرى كما يجب فقد اقتصرت الأفلام بعد تحرير "القنيطرة" على عدد محدود مثل فيلم "موت مدينة"، و"القنيطرة حبيبتي"، ولم يستطع السينمائيون ترجمة الإدانة الهائلة من العالم على تهديم مدينة بوحشية لا مثيل لها بالتاريخ كما يجب، على الرغم من النداء الذي وجهه وزير الثقافة آنذاك "فوزي كيالي" للراحل "رفيق الصبان" من أجل سد الفراغ، وصنع "سهيل كنعان" فيلماً واحداً أيضاً».

أما عن المسرح فهي حكاية أخرى يسرد وقائعها "جبري" بالقول: «كانت بداية المسرح عن حرب تشرين بقلم "كوليت خوري" التي كتبت "أغلى جوهرة بالعالم"، ثم مسرحيتي "نقطة دم شهيد" التي مولتها المرحومة "سامية المدرس" المدرسة في مدرسة أبناء الشهداء في العام 1974، وكانت مسرحية "أحمد قبلاوي" (أول فواكي الشام يا فانتوم) قمة في الكوميديا حيث تفاعل معها الجمهور بشكل لا يمكن وصفه، وشارك بالعرض من حيث لا يدري، حتى كانت رائعة "الماغوط" و"دريد لحام" "ضيعة تشرين" التي حضرها الرئيس شخصياً. بعد فترة جفت أقلام الكتاب وبدأ وهج المسرح يخفت شيئاً فشيئاً».

وقد ساهم الحضور بكثير من المداخلات التي تصب في نفس الاتجاهات، حيث قال الأستاذ "إبراهيم أبو كرم": «الدراما في الغرب صنعت أفلاماً وثائقية عدة تتحدث عن قدرة الجيش السوري في هذه الحرب، وكانت الدراما في مصر فاعلة في هذا المجال، ولكن هذه الأفلام في "سورية" كانت قليلة بسبب التكلفة العالية لمثل هذا النوع، وقد حاول السينمائيون قدر استطاعتهم وضمن الظروف تخليد عدد من هذه القصص، ولكنها غير كافية، وكل بطل من أبطال الجيش العربي السوري يستحق أن يكون بطلاً في الدراما سواء في المسرح أو التلفاز أو السينما، وأعتقد أن الوقت لم يفت بعد على ذلك».