حي "الحوارنة" هو أحد أحياء مدينة "حلب" القديمة يمتد تاريخه إلى أكثر من خمسة قرون ولا يزال محافظاً على اسمه حتى اليوم.

مدونة وطن eSyria سألت السيد الحاج "سليمان محمود" وهو صاحب محل سمانة في حي "الأشرفية" بتاريخ 21/5/2013 عن هذا الحي فأجاب بالقول: «حي "الحوارنة" من أحياء "حلب" القديمة الواقعة في الطرف الجنوبي الشرقي من مركز المدينة القديمة وهو القلعة وقريباً من "باب المقام" أحد أبواب المدينة، وقد سمعنا من أجدادنا وآبائنا ونحن صغار بأن تسمية هذا الحي بالحوارنة جاءت بسبب موقعه، فالمعروف أن المكان تربته بيضاء حوارية ومن الحوّار جاءت تسمية "حوارنة" أو أصحاب التربة البيضاء الحوّارية».

حي "الحوارنة" حي كبير وعريق توجد فيه العديد من الأوابد التاريخية إضافة إلى نسيج معماري قديم يفوح منه رائحة التراث الحلبي العريق

"سليمان حسن" من حي "الشيخ مقصود" وهو موظف متقاعد قال: «حي "الحوارنة" حي كبير وعريق توجد فيه العديد من الأوابد التاريخية إضافة إلى نسيج معماري قديم يفوح منه رائحة التراث الحلبي العريق».

باب المقام

وحول حي "الحوارنة" وتاريخه يتحدث الدكتور "محمود حريتاني" المدير السابق لآثار ومتاحف سورية الشمالية بالقول: «بعد العام 1250م زال الحكم الأيوبي في كل من "مصر" و"سورية" وبدأ حكم المماليك أو كما يسميهم المؤرخ الحلبي الشهير "الغزي" بالجراكسة، وقد ترك المماليك في مدينة "حلب" خلال حكمهم الذي دام 300 سنة آثاراً كثيرة ما زالت قائمة إلى اليوم من مساجد وجوامع وخانات وحمامات وغيرها، كما أن بعض أحياء وأسواق "حلب" أنشئت خلال حكمهم وهي لا تزال موجودة إلى اليوم».

ويضيف: «إن موضوعنا لا يتناول دراسة حي من أحياء "حلب" القديمة في فترة المماليك فقط بل يتناول أيضاً علاقة سكان هذا الحي بالحاكم المملوكي الغريب وكيف كانت هذه العلاقة تتراوح بين القبول والرفض بحسب سياسة هذا الكافل أو ذاك.

الدكتور محمود حريتاني

حارة "الحوارنة" ( وكلمة حارة تعني كل محلة دنت منازلها وتجمعت) هي من أحياء "حلب" القديمة التي نشأت خارج أسوارها وداخل الأسوار التي توسعت فيما بعد، وتقع داخل "باب المقام" أحد أبواب "حلب" القائمة حتى يومنا هذا وبجانب حي "القصيلة" المعروف وقد ذكرها المؤرخ "ابن شداد" المتوفى في العام 1285م وذكر بناء "حمام ابن الدرمش" فيها.

سكن في هذه الحارة جماعة من "الحوارنة" الذين نزحوا من "حوران" في جنوب القطر العربي السوري في القرن التاسع الهجري والموافق للقرن الخامس عشر الميلادي، وكان نائب "حلب" المملوكي في ذلك الوقت "أزدمر بن مزيد" /"الأشرم"/ وقد ولاه عليها قريبه السلطان الملك الأشرف "قايتباي" للمرة الأولى في العام 1479م وللمرة الثانية في العام 1484م.

موقع الحي من غوغل ايرث

قام الوالي "أزدمر" ببناء "خان الصابون" في "سوق الصابون" كما بنى حماماً بساحة "باب المقام" وتربة قرب "سعد الأنصاري" تسمى "الأنصاري" اليوم، إلا أنه ومع اهتمامه هذا كان سيء الخلق وكذلك أعوانه المقربون إليه فتصدى لهم "الحوارنة" وكانوا عتاة أبطالاً كما يصفهم المؤرخ الحلبي "راغب الطباخ" فقتلوا بعضاً منهم حتى "الأستادار" وهو محصّل الأموال، وقاموا بمحاصرة "أزدمر" نفسه في "دار العدل"، غير أنه بعد فترة حاصرهم وأراد الغدر بهم في يوم الموكب بحضور القضاة الأربعة فقتل واحداً منهم لكن القضاة رفضوا موافقته على قتلهم، ويقول المؤرخ الحلبي "رضي الدين الحنبلي": وكان منهم جدي "الجمالي الحنبلي" فأغلظ له القول وقام من المجلس وقام باقي القضاة فحُقنت دماء الباقين بسببه».

ويختم: «لقد ذهب "الحوارنة" وذهب المماليك منذ نيف وخمسمئة عام وبقي الحي إلى اليوم كما هو يحمل الاسم المشرّف شاهداً على تاريخ "حلب" العريق وليس أبلغ من التاريخ قولاً وشاهداً».