شكَّل على مرِّ السّنين أحداثاً تاريخيةً لاتزال حية في أذهان الفراتيين، حيثُ وُلِدَ أشخاص في رحمة الفيضان، ومات آخرون في غضبه، بينما فئةٌ منهم حالت بينها وبين الموت، فاتّخدوا من الجبال موطناً لهم؛ هرباً من الفرات الغاضب، ولكنَّ الناس لا يعودون إلى حياتهم ويطمئنون إلا عندما يرون "الزَّبد" أي الرَّغوة؛ ليعلموا بذلك بأن الفرات قد هدأ وعاد إلى أحضان أبنائه.
مدونة وطن eSyria التقت بتاريخ 20/5/2013 المعمر "خليل العبد" الذي قال: «سنة الفيضة سنة مشهورة ومعروفة، فهي حدث تاريخيّ مهمّ، وسمعتُ من والدي قديماً: إن عددَ مَنْ كانوا يعرفون القراءة والكتابة قليل، فلا نجد من يسجل الأحداث والتّواريخ، بل كانوا يحفظونها من خلال بعض الأحداث المهمة التي تمرّ في حياتنا، فنقول وُلِدَ فلان سنة الفيضة أو مات فلان سنة الثلجة الكبيرة، إذ وصل الماء إلى الجسر، فاحتمى الناس بالجبل.
لفظة "الطامة" الشائعة هي من طما الماء يطمو طمواً، ويطمي طمياً أي إذا ارتفع وعلا النهر فهو طام، ويطمي الماء يعلو بالزبد، وفي الأمثال الشعبية الفراتية الشائعة "نيسان يطم العاليات" أي فيضان النهر في شهر نيسان يطم الأراضي العالية
ومن أشهر فيضات الفرات ما يسمى فيضة "أبو عبَّار" نسبةً لشخص يُدعى أبو عبَّار تمسّك بجذع الشجرة؛ ليحتمي من الفيضان، لكن الفيضان أدركه وغرق، فسُمّي ذلك الفيضان باسمه تخليداً لموته».
وأشار المدرس "محمد الحمود" حول فيضان نهر الفرات بالقول: «يستعمل السكان لفظ "الطّامة" للفيضان الكبير غير الاعتيادي، حتى إنّهم يؤرخون به ويميزون بين طامة وطامة، فيقولون فلان ولد في الطامة الكبيرة إذ كانت فيضاناً كالذي وقع في سنة 1889 طغى على الضفاف وحمل البيادر واعتصم السكان منه بالهضاب، كما يميزون فيضان نهر الفرات سنة 1929 "فيضة أبو عبار" وهو شخص ديري اعتصم بشجرة في النهر فجرفه النهر وغرق».
أضاف: «لفظة "الطامة" الشائعة هي من طما الماء يطمو طمواً، ويطمي طمياً أي إذا ارتفع وعلا النهر فهو طام، ويطمي الماء يعلو بالزبد، وفي الأمثال الشعبية الفراتية الشائعة "نيسان يطم العاليات" أي فيضان النهر في شهر نيسان يطم الأراضي العالية».
ويشير الباحث "عبد القادر عياش" في مجلة "صوت الفرات" حول فيضان نهر الفرات بالقول: «يرافق فيضان نهر الفرات الشتوي "زبد" طائف فوق سطح النهر بشكل كتل بحجم رغيف الخبز العادي تستمر عدّة أيام، و"الزَّبَد" بفتح الزاي والباء بمعنى "الرَّغوة" وهي بيضاء كزُبْد اللبن بضم الزاي وإسكان الباء.
حيث جاء في القرآن الكريم "فأمّا الزّبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال"، والسيول المتكونة من المطر والتي تصب في النهر هي التي تحمل الزّبد من الأراضي إلى النهر، وتحمل غير الزبد أشياء أخرى، وفي القرآن الكريم يقول تعالى "انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار"».
أضاف: «إن الأمطار تسجل أوّل منسوب في فيضان الأنهار غير أنّ ذوبان الثلوج الّذي يبدأ في أول الصيف هو السبب في الفيضان الرئيسي لأنهار كثيرة، وكما سجل الأدب فيضانات كثيرة سجل الرسامون والمصورون لوحات للفيضانات منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم، وإنّ شهري أيلول وتشرين الأول يسجلان عادةً أوطأ منسوب لمياه الفرات، ثم تأخذ المنَاسِيب بالارتفاع، ويسجل النهر في كانون الأول وكانون الثاني وشباط مناسيب أعلى بسبب السيول والأمطار وهو الفيضان الشتوي والفيضان الثاني هو الفيضان الربيعي أو الرئيسي، يحدث ما بين شهري نيسان وأيلول؛ بسبب ذوبان الثلوج في الأقسام العليا من النهر، أمّا الفيضان الربيعي، فعلى الرغم من اختلاف مناسيبه في كل سنة فإنه كثيراً ما يغطّي مساحات كبيرة من الأراضي على ضفاف النهر، فيتلف قسماً من المزروعات الشتوية والصيفية».
قال النابغة الذبياني الشّاعر العربي الجاهلي يصفُ فيضان الفرات وتلقيه مياه الوديان:
فما الفرات إذا جاشت غواربه..... تــرمي أواذيــه العبرين بالزّبد
يمده كـــل واد مـتــرع لــجـــب..... فيه ركام من الينبوت والخضد
يظل من خوفه الملاح معتصماً..... بالخــيزرانة بعد الأيـن والنجد.
وبين البحث "عواد الجاسم": «الفيضان يسميه البعض (الطامة التالية) وطبعاً كثيراً ما كان النهر يفيض ولكن أشهر فيضة هي فيضة "أبو عبار" ويعود سبب ذلك إلى ذوبان الثلوج في أوائل الربيع في هضبة أرمينيا، حيث يتشكل نهر الفرات من التقاء نهري فرات صو ومراد صو ومروراً بتركيا حاملاً معه أيضاً ثلوج "جبال طوروس" الذّائبة بفضل شمس الربيع».
ومن المعروف أنّ فيضان النهر يخلِّف تربةً لحقيّة خصبة مشكلة الحوائج النهرية، إن الحويجة تتشكّل نتيجة لانحسار مياه النهر الذي يقوم بترسيب ما يحمله من مواد صلبة من حصى ورمال وطمي في الأماكن التي تكون فيها حركة المياه بطيئة نتيجة قلّة العمق في تلك المناطق ضمن مجرى النهر أو على أطراف النهر».
