بدأت الكتابة في سن مبكرة، فحاولت ألا تنسى أي حكاية شاهدتها أو سمعتها من خلال تسجيل ملاحظاتها على دفترها الصغير، ما جعل هذه التسجيلات الكتابات الأولى لمشروعها الشعري.

هي الشاعرة "رولا حسن" التي التقتها مدونة وطن eSyria بتاريخ 20/2/2013 وكان الحوار التالي:

تملك "رولا حسن" حساسيتها الخاصة في ترتيب صورتها الشعرية من حيث إن الصورة لديها معادل وجودي أي أنسنة كاملة، وهذا ما منح الصورة دلالات ثرّة كذلك تعامل قصيدتها بذهنية إن صح القول جندرية، وهذا لا يعني انغماسها في صراع مع الذكورة بل كل ما في الأمر هي وضع الأمور في أنصبتها, فتأخذ قصيدتها أبعاداً وجودية لمطلق إنسان. من ناحية أخرى يجب القول إن "رولا حسن" ومن جايلها من شعراء مازالت تدور بفلك اللغة الشعرية التي أنتجتها فترة السبعينيات والثمانينيات وهذا ليس إنقاصاً, لكن قصيدة النثر تكلست كما تكلست مفاصل قصيدة العامود والتفعيلة إذ نجد ذات الأقمشة، وهنا اعتقد أن تجربة الهايكو أو التفاصيل اليومية بمنظور مقلوب أي بأنسنة مضادة, ستعيد الليونة لقصيدة النثر، و"رولا" شاعرة وضعت بصمتها في القصيدة السورية والعربية واعتقد حان الوقت لترينا بصمات أصابعها التسعة الباقية

  • في البداية هلا حدثتنا عن البدايات الأدبية لك؟
  • من أعمالها "على الأرجح نحن من يغني الآن"

    ** بدأت الكتابة مبكراً.. عندما كنت أذهب لأقضي العطل المدرسية في القرية عند جدتي ولاسيما عطلة منتصف العام والتي كانت تأتي في فصل المطر, كنت أشعر بأنه يجب عليّ أن أحتفظ بهذه اللحظات إلى الأبد ولاسيما أني أشعر بتلك الحرية بعيداً عن سيطرة أمي وقوانينها الصارمة حيث الجلوس بجانب مدفأة الحطب وحكايات جدتي التي لا تنتهي ومن ثم مرافقتها إلى الأحراش البعيدة لقطف الزوفا والزعتر والريحان، تلك اللحظات التي لم أرد لها أن تذوي لذا لجأت إلى تسجيلها على شكل يوميات, أسجل فيها تلك الخفة التي كنت أشعر بها في تلك الجبال, كنت أسجل كل شيء منذ الصباحات الباردة التي تبدأ فيها جدتي بإشعال مدفأة الحطب فأشم رائحة السنديان والصنوبر والبطم والزيتون فتزدحم رئتاي بالأشجار فأركض صوب الباب لأفتحه وأخرج إلى الهواء وأقف تحت المطر وسط صراخ جدتي وخوفها علي من الرشح. كنت بحاجة لتسجيل كل شيء كنت أخاف الفقد لذا رحت أملأ دفتري بكل ما كان يحدث، ومن يومها والكتابة عندي معادل للوجود والحياة والحرية والكثير من تلك اليوميات تحول فيما بعد إلى قصائد. من وقتها بت أحول كل العوالم الجميلة خارجاً إلى عوالم موازية داخلي حتى لا أفقدها، وفيما بعد عرفت أيضاً أن ذلك حصنني كثيراً ضد الألم والفقد والخسارة.

    وفي جامعة "تشرين" شكلنا أنا ومجموعة من الشباب والشابات ملتقى أدبياً كنا نقرأ فيه قصائدنا، وكان يشاركنا فيه الشاعر "منذر مصري"، وهذا الملتقى أفرز أسماء مهمة في الشعر السوري مثل الشاعر "محمد دريوس"، والشاعرة "هنادي زرقة"، وأنا كتبت فيه مجموعتي الأولى "شتاءات قصيرة" التي طبعت إثر تخرجي في الجامعة.

    من أعمالها الأدبية

  • كيف ساهمت البيئة المجتمعية الفكرية للقرية التي تنتمين إليها في بناء شخصيتك الأدبية؟
  • ** لا أنكر أني من قرية لها سمتها الثقافية المميزة والتي أفرزت أسماء لا يستهان بها على المستوى الثقافي والفكري مثل "أحمد علي حسن" تغمده الله برحمته، وكذلك الشاعر "محمد عمران" والأديب والمفكر "محمد كامل خطيب"، لكن لم يكن لهذا تأثير يمكن أن أرجع إليه بناء شخصيتي الأدبية التي تشكلت حقيقية في بيئة بعيدة كل البعد عن القرية التي كان لطبيعتها الساحرة الأثر الكبير في تحفيز الشعر داخلي.

    وأعتقد أن المهم في تشكيل شخصيتي الأدبية هو أنني أنتمي لعائلة متعلمة، فقد كان والدي رحمه الله خريج كلية الآداب جامعة "دمشق" وكان قارئاً نهماً وقارضاً للشعر والثقافة عنده أمر مهم، ولا أذكر يوماً أني رأيته في أوقات فراغ دون أن يكون في يده كتاب، وهذا أمر انطبع في ذاكرتي.. ووالدتي من أولى المدرسات في مدينة "طرطوس" وابنة عائلة لها شأنها في الثقافة، أضف إلى ذلك أني فتحت عينيّ على مكتبة في بيتنا ولا تزال تحوي أمهات الكتب، كالأغاني والكامل في النحو.. أعمال "شوقي ضيف" كاملة.. قصة "الحضارة" بكامل أجزائها.. أعمال "طه حسن" و"مي زيادة".. وأعمال "جبران خليل جبران" العربية والمعربة، وكتب أخرى عن الأدب المقارن وسواه.

  • حصلت على إجازة في العلوم الفيزيائية والكيميائية وتعملين في الهيئة العامة للكتاب، كيف وفقت بهذا التجانس؟
  • ** دخلت كلية "العلوم الفيزيائية والكيميائية" بحسب المفاضلة لا لرغبتي بدراستها، وكنت أرغب وقتها بتركها والتوجه نحو كلية الآداب لكن والدي رحمه الله قال لي حينها إن الموهبة الحقيقية نستطيع تنميتها بطرق كثيرة بعيداً عن الدراسة الأكاديمية، وإن كنت قادرة على إثبات وجودك فعليك بالعمل على نجاحك في أي مكان توضعين فيه، فتابعت دراستي العلمية وبنفس القوة تابعت قراءاتي وكتابة الشعر الذي كان ولا يزال هاجسي، والشهادة العلمية ساعدتني في الحصول على عمل بطريقة أسرع وهذا العمل كان في مكان لا علاقة له بالأدب الأمر الذي كان مؤلماً وبشكل دائم بالنسبة لي، إلى أن استطعت أن أنقل عملي إلى وزارة الثقافة.

  • كيف ساهمت عملية النشر في الدوريات الأدبية والجرائد العربية في إغناء وتطوير أدواتك الأدبية؟
  • ** تطوير الأدوات الأدبية لا تسهم به عملية النشر في الدوريات مهما كانت قيمة هذه الدوريات، إنما يأتي عبر القراءة المستمرة ومتابعة كل جديد يصدر على مستوى الشعر والقصة والرواية والنقد، وعملية النشر تصنع ما يمكن أن نسميه حضوراً ثقافياً، وكلما كان الاشتغال على الذات ثقافياً أكثر جدية كان هذا الحضور أقوى.

  • حدثينا عن تجربة المشاركة في مهرجان "لوديف" الفرنسي أي المشاركة في تجارب أدبية عالمية حيث الأدب الغربي؟
  • ** تجربة مهرجان "لوديف" وهو اسم المدينة التي تقع على "ساحل المتوسط الفرنسي" واسمه الحقيقي "أصوات من المتوسط" يجمع كل شعراء وفناني وموسيقيي الدول التي تشرف على "البحر الأبيض المتوسط"، وهو من أهم التجارب في حياتي ليس للكم الهائل من الشعراء والفنانين والموسيقيين الذين التقيت بهم، فالمزيج العجيب هناك ليس في الكم وإنما في هذه اللغات المتوسطية المتباعدة والمتنافرة حتى الدهشة، بل للطريقة المتفردة التي يقدم بها القصيدة والأغنية والحكاية والمسرح، فالشعر مثلاً لم يكن محصوراً بين أربعة جدران بل يمكن أن تجده في كل مكان، وذلك يعود للطبيعة التنظيمية الفريدة للمهرجان.

  • مجموعتك الشعرية "على الأرجح نحن من يغني الآن" فيها الكثير من الصور الشعرية المؤلمة فما الرسالة منها وما سر ارتباط العنوان مع المضمون؟
  • ** ثمة تجربة مع نساء خبرن مرارات شتى، نساء رغم كل القسوة والظلم اللذين يتعرضن لهما على مر الوقت استطعن أن يجدن لهن مكانة خاصة في مكان ما من الحياة، وهذا حفزني على أرشفته شعرياً ونقل ذلك الألم من الحيز الداخلي وإراقته على الورق ليصبح أقل وطأة... الحقيقة لا توجد في مجتمعنا امرأة حقيقية تريد أن تحقق وجودها وتحصل على حصتها من الحب والاستقلال والاحترام ويقدم لها ذلك على طبق من ذهب... مجتمعاتنا تقوم على الظلم والمرأة تتعرض له بطريقة لا يمكن احتمالها ومع ذلك هي في كل يوم تحاول الحياة وتفتح شباكها الصغير لشمس الحياة... أعتقد أن هؤلاء النساء يستحققن الذكر عبر القصيدة لأني أرى كل واحدة منهن قصيدة من قصائد الحياة... والعنوان جاء في إشارة واضحة إلى كل من يتألم ويتسامى على الألم فيغني، والغناء هنا إشارة إلى البناء وليس الهدم، إشارة إلى الأمل لا اليأس طالما هناك غد جديد، إذاً لابد من وجود حياة أفضل نستطيع صياغتها كما نريد.

  • مجموعة "نصف قمر" طالها النقاد كثيراً، فهل تعتبرين هذا إغناء لها أم إنك لم تلاحظي بعد حركة نقدية في الحركة الشعرية السورية قادرة على النقد البناء؟
  • ** النقد طال مجموعاتي الشعرية سلباً وإيجاباً وبالتأكيد هذا إغناء لها، ولكن هناك فرق بين النقد القادر على تبين معالم القصيدة- نهوضها وكبوتها- وبين عملية التشريح بقصد تقطيع الأوصال، ثمة نقاد كثر ولا أعرف إن كان يصح تسميتهم بنقاد يضعون النص الموقع بقلم نسائي وكأنه في غرفة عمليات يشرح النص كما يشرح الجسد وحينما يعي أنه أمام جسد أنثوي تتغير مشارطه وأدوات تشريحه فيجري عمليته لتنتهي بقطع الأنسجة الحية، بينما لو اختار أدواته بدقة وموضوعية بعيداً عن إرث الفحولة لديه لأنصت بإمعان للنص الذي بين يديه دون النظر إلى جنس كاتبه.

    باعتقادي لا توجد حركة نقدية مواكبة للحركة الشعرية الجدية في "سورية" تكشف عن الجماليات المستجدة في القصيدة العربية، وما يكتب من نقد الآن لا يتجاوز حد الانطباعات، وأنا ضد مقولة نقد إيجابي أو سلبي فكلمة النقد تحتمل المعنيين ولا وجود لهذا التفصيل في عملية النقد.. المؤسف أن الأجيال الجديدة لم تحظ بما تستحق من اهتمام ويمكن أن نرجع ذلك إلى أن حركية الإبداع المستمرة في تقديم تطورات الواقع المختلفة وتغيراته التي لم يستوعبها النقاد الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن تمثل هذا الإنتاج الشعري وإعادة إنتاجه في صورة نقدية، لأنه ينطلق من أسس معرفية وجودية تختلف عما ألفوه، وهم والحال كذلك يرفضونه لأنه لا يتفق مع الصورة التي تكونت عن الشعر، فالشاعر الجديد يسعى إلى لغة جديدة وتراكيب وصور مختلفة عن السائدة، ذلك نتيجة لإيمانه أن اللغة القديمة بتراكيبها وصورها لا تستوعب ما يريد أن ينقله من صدمة للوعي والعقل والوجدان، وهنا يمكن أن أشير بكلمة أخيرة أن النص الشعري هو اجتهاد فردي بينما النقد عمل يقوم على التنظيم المؤسسي، لأنه يقوم على نظرية جمالية ومنهج معرفي وهي أدوات ثقيلة تحتاج إلى تسليح قوي بالمعرفة وخبرة عميقة بالنصوص.

  • هل حملت صورة البحر وأنت ابنته إلى مكان إقامتك ونسجت منها وعنها صوراً شعرية؟
  • ** صحيح أني ابنة مدينة ساحلية كطرطوس، لكن البحر لم يحضر في قصائدي كعالم إلا في قصيدتين واحدة في مجموعتي الأولى "شتاءات قصيرة"، والثانية في مجموعتي الرابعة "على الأرجح نحن من يغني الآن"، ولم يستطع البحر أن يشدني كما شدتني طبيعة قريتي والتي كانت الحافز الأول على كتابة الشعر وتوزعت مفرداتها عل طول أربع مجموعات شعرية.

  • وظفت المفردات الشعرية في أماكنها المناسبة ضمن النص الشعري، فكيف عملت على هذا؟
  • ** حاولت عبر تجربتي الشعرية أن أؤنسن العالم حولي ولا سيما الطبيعة فأزحت مفرداتها من مكانها الطبيعي إلى مكان حياتي آخر ضمن القصيدة، وضمن هذه الحركة حاولت أن أحول الجغرافية الطبيعية حولي إلى جغرافيا شعورية تخدم القصيدة وتمنحها تلك الروح بعيداً عن الصنعة المبالغ بها والتي تسلب الشعر روحه.

  • قرأنا في أغلب أعمالك الشعرية جرأة فمن أين تستمدينها؟
  • ** تربيت في بيت منحني دائماً ذلك الحق في التعبير عن وجودي وترك لي الخيار دائماً فيما يخص قرارات حياتي وطريقة عيش تلك الحياة... ذلك البيت بمن فيه منحني تلك الثقة التي جعلتني أمضي في حياة قاسية بكل قوة، ومع ذلك لم يتخل عني في أي لحظة ضعف كان دائماً إلى جانبي، وإليه أمتنّ بما أملك من جرأة في شخصيتي الأمر الذي انعكس على كتاباتي، فما نكتب ليس إلا أحد صورنا في إحدى مرايا الحياة وإلا فالأمر مجرد كذبة كبيرة جداً.

  • البعض يقول إن أعمالك الأدبية خلت من الموسيقا واستعضت عنها بالألق العاطفي فكيف تردين؟
  • ** أريد أن أكتب قصيدة مفعمة بالشعور لا أريد نثراً شعرياً، وهو أمر بات شائعاً في زحمة التداخل بين الأجناس الأدبية الذي بات يثير اللبس، فالسرد استعاره الشعر والحكاية من قبل والرواية أخذت الشعرية من القصيدة ووسط هذا اللغط أصر على تلك العاطفة التي هي بمثابة روح القصيدة، ثمة قصائد كثيرة تعتمد على السرد لكنها بلا عاطفة تعتمد على الصنعة لكنها تفتقد إلى الروح، وأنا هنا لا أنكرها كقصيدة فهي أحد دروب التجريب التي دخلتها قصيدة النثر على الرغم أن من نجحوا فيها قلائل جداً، أما من فشلوا فهم كثر لذا نجد أن القصائد وكأنها قصيدة واحدة كتبها الكثيرون أما عندما تجيّر العاطفة لمصلحة القصيدة وبعيداً عن الوقوع في فخ السيولة العاطفية فإن الأمر مختلف وهو أمر أصر عليه دائماً واعتبره استراتيجيتي بغض النظر عن المصطلحات التي لا تقدم ولا تؤخر: الخلو من الموسيقا والاستعاضة عنها بالألق العاطفي.

    وفي لقاء مع الأديب الناقد "باسم سليمان" قال: «تملك "رولا حسن" حساسيتها الخاصة في ترتيب صورتها الشعرية من حيث إن الصورة لديها معادل وجودي أي أنسنة كاملة، وهذا ما منح الصورة دلالات ثرّة كذلك تعامل قصيدتها بذهنية إن صح القول جندرية، وهذا لا يعني انغماسها في صراع مع الذكورة بل كل ما في الأمر هي وضع الأمور في أنصبتها, فتأخذ قصيدتها أبعاداً وجودية لمطلق إنسان.

    من ناحية أخرى يجب القول إن "رولا حسن" ومن جايلها من شعراء مازالت تدور بفلك اللغة الشعرية التي أنتجتها فترة السبعينيات والثمانينيات وهذا ليس إنقاصاً, لكن قصيدة النثر تكلست كما تكلست مفاصل قصيدة العامود والتفعيلة إذ نجد ذات الأقمشة، وهنا اعتقد أن تجربة الهايكو أو التفاصيل اليومية بمنظور مقلوب أي بأنسنة مضادة, ستعيد الليونة لقصيدة النثر، و"رولا" شاعرة وضعت بصمتها في القصيدة السورية والعربية واعتقد حان الوقت لترينا بصمات أصابعها التسعة الباقية».

    يشار إلى أن الشاعرة "رولا حسن" من مواليد "طرطوس" عام /1970/ وتعمل في الهيئة العامة للكتاب مديرية التأليف.