ما إن تترك "ناحية الدالية" متجهاً شمالاً على الطريق الساحلي الإسفلتي حتى تتراءى لك في البعيد نقطة خضراء تكاد تلامس السماء، وما إن تقترب أكثر منها حتى تظهر لك مجموعة بيوت متناثرة على سفح جبل عال يتجاور مع "جبل الشعرة" أحد أعلى قمم جبال الساحل السوري.

تلك هي "بطموش" التي تعيش وحيدة مع قمم الجبال الساحلية، شتاؤها قاس يقطعها عن العالم الخارجي، التي استغنت عنه بفضل اكتفائها الغذائي والمالي، فهي تخبز مما تزرع، وتأكل من القطعان التي تنتشر في مراعيها المنحدرة، والقرية المشهورة بين قرى الساحل بتبغها البلدي الأطيب والأنظف والأغلى ثمناً في كل الساحل السوري.

نحن لا نقطع الأشجار الحراجية فالشجرة هي جزء من حياتنا، نقوم بتقليم الأشجار الحراجية بما يكفل بقاء الأشجار ونموها وحاجتنا معاً خاصة أن شجر السنديان يحتاج إلى وقت طويل حتى يكبر

مدونة وطن "eSyria" زار بتاريخ "11/6/2012" قرية "بطموش"، والتقى السيد "محمد علي" من مزارعي القرية الذي تحدث بالقول:

خزانات المياه في بطموش

«تعد قريتنا الصغيرة من القرى الجبلية التي تشتهر فيها زراعة التبغ والقمح، حيث نقوم بزراعتها بطريقة لا نتعب فيها الأرض فنحن نريح الأرض بالتبادل بين زراعتي القمح والتبغ، ونعتمد في سقاية التبغ على مجمعات مائية نبنيها من الحجر نجمع فيها مياه المطار والثلوج خلال فصل الشتاء ونستخدمها صيفا للري حيث تندر الينابيع في السفح الجبلي لقريتنا.

وفي سبيل حل مشكلة المياه فقد أنشئت بحيرة تجميعية في أول قرية بطموش لتعبئة المياه من الامطار والثلوج للمساعدة في ري المزروعات صيفاً، وهذه البحيرة تكفي لعدة أشهر حيث يتم سحب المياه منها والسقاية باستخدام الري بالتنقيط إلا أنها على العموم غير كافية، أما مياه الشرب فتأتي إلى بطموش من نبع السن، علماً أن منطقة بطموش تعتبر من مناطق الحوض الرئيسي لنبع السن».

بحيرة بطموش التجميعية

قد يكون اسم "بـْطّمّـوش" اسماً غريباً، إلا أنه اسم عربي يمتد إلى الأبجدية الأوغاريتية، حسب الأستاذ "محمد جميل حطاب" في كتابه "معجم معاني أسماء القرى والمدن في اللاذقية" الذي أضاف بالقول: «في الأبجدية الأوغاريتية يمكن أن تبدأ كلماتها بحرف ساكن خلاف اللغة العربية الحالية، فحرف الباء من كلمة بيت، وكلمة "طموش" محرفة من كلمة "موشه" التي تعني بالعربية الأرض الخصبة، وبالتالي يعني الاسم "بيت الأرض الخصبة"، وقد يكون الاسم يعود إلى جذر سرياني يعني المدفن أو المغارة».

السيد "محمد يوسف" مختار القرية تحدث عن القرية بالقول: «ترتفع "بطموش" عن سطح البحر 1050 متراً وتغطيها الثلوج شتاء، وهي تعتبر آخر قرية تقع على الحدود الإدارية لثلاث محافظات هي طرطوس وحماة واللاذقية التي تتبع لها إدارياً، كما أنها تبعد عن مركز ناحية الدالية حوالي 15 كم عبر طريق متشعب بين الجبال المغطاة بالأشجار الحراجية وعلى رأسها السنديان الجبلي قليل الارتفاع والبطم والصنوبر».

السيد "أحمد دبول" أحد مزارعي القرية تحدث عن الجانب الاقتصادي في القرية: «نحن نزرع القمح البلدي للاستهلاك المحلي فقط حيث نقوم بطحنه مع الطحين الطري لخبز الخبز فلا يوجد لدينا فرن في القرية ويقوم السكان بخبز خبزهم بأنفسهم، ونقوم بالطحن في القرية باستخدام طاحونة حديثة، وننتج الخبز العربي (المرقوق) والذي تقوم على خبزه نساء القرية في التنانير (جمع تنور) مستخدمات الحطب الذي نجلبه من الأحراج القريبة وخاصة حطب السنديان».

وعن تأثير ذلك على المساحة الخضراء والبيئة أضاف السيد دبول: «نحن لا نقطع الأشجار الحراجية فالشجرة هي جزء من حياتنا، نقوم بتقليم الأشجار الحراجية بما يكفل بقاء الأشجار ونموها وحاجتنا معاً خاصة أن شجر السنديان يحتاج إلى وقت طويل حتى يكبر».

وأضاف "دبول": «من الأشجار المثمرة في بطموش الكرز البلدي، وهو يختلف عن الكرز المهجن بأن حبته صغيرة الحجم ولكنها عند نضجها تكون حلوة المذاق جداً، وقد دخلت زراعة الكرز منذ عدة سنوات عن طريق زراعتها في الأراضي قليلة الخصوبة حيث لا تحتاج إلى كثير رعاية».

يعتبر تبغ "بطموش" من أجود أنواع التبوغ في الساحل وعن ذلك يقول المزارع "حسين ابراهيم": «يتميز تبغ بطموش وبحكم زراعته الخالية من المواد الكيمياوية وتسميده بالسماد البلدي الطبيعي وسقايته بمياه الأمطار المخزنة بأنه طيب المذاق، ولذلك يلقى رواجاً كبيراً بين جمهور مدخني التبغ العربي (اللف) وقد زاد عدد هؤلاء مؤخراً بسبب ارتفاع أسعار الدخان المعلب وخاصة الأجنبي منه، ويميز الخبراء دخان بطموش من غيره بإجراء اختبارات على التبغ المفروم للتأكد أن هذا التبغ من إنتاج بطموش حقيقة، فدخان بطموش يتميز أنه عند كبسه باليد وبقوة يعود إلى حجمه ووضعه الأول وهذا لا يتوافر في غيره من الأنواع، كذلك فإن رماد التبغ بعد إشعاله يكون أبيض تماماً وهذا بسبب كون تبغ بطموش طبيعي مئة بالمئة».

يوجد في "بطموش" أكثر من /4000/ رأس من الماعز هي حصة القرية من توزيعات مديرية الزراعة التي توصي بالتقليل من تربية هذه الحيوانات لكونها تأكل الشجر الحراجي، ولكن اعتماد الأهالي عليها مستمر، وفي حين يتواجد في القرية عدد من الأبقار إلا أنها أقل عدداً من أعداد الماعز، وفي ذلك يحدثنا السيد "حسام ديوب" الذي باع سيارته واشترى بدلاً منها عدداً من رؤوس الماعز: «نرغب بتربية الماعز لأن كلفة تربيته أقل من غيره من الحيوانات فالأعلاف غالية الثمن ولا يمكن تأمينها بسهولة، ونحن نعتمد على ما تقدمه لنا هذه الحيوانات من الحليب والزبدة والسمن والقريشة في تأمين مستلزماتنا الحياتية الأخرى».

وأضاف السيد ديوب: «نقوم ببيع ما ننتجه إلى محافظتي حماة واللاذقية ونشتري بدلاً من ذلك ما نحتاج من مستلزمات من ثياب ومواد تموينية وغيرها، كذلك نقوم ببيع روث هذه الحيوانات إلى مناطق أخرى يحتاجونها لتسميد المزروعات والأشجار المثمرة».

بالعودة إلى المختار "محمد يوسف": «يبلغ عدد سكان بطموش ألف نسمة من المقيمين فيها ويضاف لهم نفس العدد من المقيمين خارجها في اللاذقية ودمشق وحماة وسلحب ونهر البارد متوزعين طلباً للعلم أو للعمل، ومنهم اليوم الأطباء والمدرسون والمهندسون وخريجو مختلف الاختصاصات الجامعية.

تتوافر في بطموش مختلف الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن من كهرباء وماء وهاتف وصرف صحي، وبفضل تعاون الأهالي المميز بين بعضهم بعضاً أقام هؤلاء مبرة خيرية يجتمع فيها أبناء القرية في أفراحهم وأتراحهم فيقام مثلاً فيها أعياد رمضان وعيدي الفطر والأضحى ويسهرون فيها في شتاءات القرية التي تغطيها الثلوج حيث تنقطع القرية عن العالم لمدة لا تقل عن أسبوع أحياناً.

وأكثر شيء تحتاجه القرية حسب رأي معظم الأهالي هو تزفيت الطريق الواصل بين القرية وأوستراد حماة– بيت ياشوط حيث سيوفر ذلك عليهم مشقة الطريق الطويل علماً أن الطريق المطلوب تزفيته قد مضى على شقه أكثر من أربعين عاماً ورصدت من أجله الموازنات المطلوبة».