شجيرة مباركة من البيئة الساحلية، تكمن الفائدة في مختلف أجزائها، فبأوراقها تخمر أكلة "الكشكة" ومن ثمارها نكهة خبز التنور التراثية وصابون الاستحمام.
تعد شجيرات "البطم" من الشجيرات الأقدم وجوداً ضمن الغابات الساحلية، فوجودها كان سبباً أساسياً للتعامل معها والاستفادة من خيراتها ومنتجاتها، "مدونة وطن" "eSyria" التقت السيد "جبر حسن" من أهالي قرية "خربة السناسل" التابعة لمدينة "بانياس" الذي قال: «أنا كمزارع في القرية لم أدرك وجوداً لشجيرات منتشرة في مختلف المواقع الجغرافية وبكثرة إلا شجيرات "البطم"، فتراها منتشرة في الحقول والأراضي الحراجية وعلى جوانب الطرق الزراعية والعامة، دون أن تجد أحداً يتعرض لها بالقص أو القلع، فهي شجرة تحظى باحترام الإنسان عامة وأبناء منطقتنا خاصة».
تعطي الشجرة مادة تربنتينية بيضاء عطرية، كما أنها تعطي ثماراً تؤكل ومادة صمغية تستخدم كلبان "علكة" تعطر الفم، وتحتوي بذورها على مادة زيتية مفيدة ومغذية
ويضيف: «منذ القدم وأجدادنا يسخرون أشجار "البطم" لمختلف حاجياتهم الحياتية ما دعا للمحافظة عليها، وما يفسر هذا الكلام الأعمار الكبيرة التي نجدها عليها حالياً والمقرونة بخاصية نموها البطيء التي تجعل منها شجرة معمرة بامتياز، بالإضافة إلى الأعمال والصناعات الغذائية المتناقلة والمرتبطة بها».
لقد حاول أبناء الريف الساحلي الاستفادة من أشجار "البطم" بمختلف أجزائها منذ قدم وجدوها والتعرف عليها، وهنا تقول السيدة "ليلى عبد الله" من أهالي قرية "بعمرائيل" التابعة لمدينة "بانياس": «كثيراً من الصناعات والوجبات الغذائية ارتبطت بشكل مباشر وغير مباشر بشجرة "البطم"، وجميعها متناقلة ومتوارثة من الأجداد عبر القرون المتعددة، فمنهم من وظف أوراقها وأغصانها لإتمام عملية التخمير وإضافة نهكة شهية على صناعة وجبة "الكشكة" التراثية، حيث أضيفت هذه الأوراق على منقوع اللبن والبرغل الناعم المعد لصناعة "الكشكة" لإتمام عملية التخمير التي تستمر لحوالي ستة أيام نكهة مميزة التي عرفت بها هذه الوجبة التراثية.
ومنهم من وظف ثمارها ذات اللون البني الداكن عند نضجها لصناعة الزيت، فعند نضج الثمار مع أواخر شهر آب وبداية شهر أيلول تقطف كما تقطف ثمار الزيتون، ومن ثم تترك لعدة أيام لترتاح ويركز الزيت فيها، وعندها تكسر وتطحن على "الجاروشة" الخاصة بها وتكبس على الضاغط كما يفعل بثمار الزيتون لاستخراج زيته، وبعد العصر يصبح الزيت جاهزاً للاستعمالات الطبية والصناعية المتعددة، فالبعض يدهن به المفاصل عند الألم لتكون بمثابة مسكن ألم وعلاج لها، والبعض يدلك به كامل الجسم لمنحه الراحة والرائحة الذكية، والبعض يصنع منه صابون الاستحمام المعروف ب"صابون زيت البطم" الذي يمنح مستخدمه النظافة والنعومة والرائحة الذكية والرطوبة المنعشة في الصيف، والبعض يستخدمه للتغذية مع وجبات الطعام لكن بنسب خفيفة».
ولم تكن هذه الصناعة الوحيدة التي تستخدم فيها ثمار البطم في الوجبات الغذائية، فقد تميزت واشتهرت صناعة أخرى في ناحية "القدموس" يحدثنا عنها السيد "أحمد حربا" صاحب أقدم فرن في الناحية بالقول: «ورثت عن والدي هذا الفرن الحجري القديم بمختلف أدواته البدائية وطريقة صناعة الخبز التراثية المميزة فيه، وذلك بإضافة ثمار "البطم" الناضجة على رغيف الخبز الجاهز للشوي في الفرن، لتمنحه النكهة اللذيذة عندما تتعرض للحرارة ويظهر زيتها نتيجة لذلك، فتبدأ العجينة بامتصاص الزيت ليصبح وكأنه معجون به، ناهيك عن طعم الثمار الشهي بعد شيها التي تعطي نهكة مكسرات مميزة».
ويضيف: «نجمع ثمار "البطم" من الطبيعة البرية المنتشرة حولنا، إضافة إلى أنه يوجد أشخاص يعملون في جمع هذه الثمار البرية بهدف التجارة، فنعمد على شرائها منهم في حال لم نتمكن من جمع الكمية المطلوبة».
وللتعرف على خصائص شجرة البطم كنبات التقينا المهندسة الزراعية "هبة سلهب" من مديرية زراعة "طرطوس" والتي أشارت بالقول: «لنبات البطم عدة أجناس أكثرها انتشاراً وتواجداً في منطقتنا "الفلسطيني"، وهو شجرة صغيرة أوراقها متساقطة، مركبة ريشية مفردة، ومؤلفة من أربعة إلى ستة أزواج من الوريقات المروسة، وهي أشجار ترافق بشكل عام أشجار السنديان والبلوط، وهي منتشرة في "طرطوس" بشكل واسع ضمن أحراش السنديان وعلى جوانب الأراضي الزراعية، وضمن المواقع المشجرة بالصنوبريات ونلاحظ ظهورها كنوع مرافق.
أما بالنسبة لثمارها فهي حمراء في بادئ الأمر وتصبح بنية اللون قطرها ما بين اثنين إلى ثلاثة ميلمترات عند نضجها، في حين أن الخشب فيها يتألف من خشب رخو أبيض مصفر سميك، ومن خشب صميمي بني جميل، وهو قابل للصقل ويستعمل من قبل النجارين».
وتتابع: «تعطي الشجرة مادة تربنتينية بيضاء عطرية، كما أنها تعطي ثماراً تؤكل ومادة صمغية تستخدم كلبان "علكة" تعطر الفم، وتحتوي بذورها على مادة زيتية مفيدة ومغذية».
