بين طبيعة المكان ومؤثراته، وصور الواقع وتأثيراته، والتي تعكس على الفنان بتحديد منهجية رسم ملامح المدرسة الفنية التي يتبع حيث كرست من رواد في الفن التصويري والتي دونها الفنان "جمال العباس".
يعمل الفنان والناقد التشكيلي "جمال العباس" على دراسة أعمال فنانين سوريين، اتخذوا من المؤثرات المحلية والوافدة عملاً فنياً من خلال دراسات أكاديمية أو الاطلاع على أمكنة مختلفة في العالم أثناء جولاتهم ورحلاتهم، الحديث كان للفنان التشكيلي "عامر الخطيب" لموقع eswueda بتاريخ 1/4/2013 وتابع بالقول: «يعمل الفنان "العباس" على إظهار مكامن المواهب الإبداعية برؤية تحليلية تجريدية وتوثيق أعمال فنانين اتخذوا من التأثيرات المحلية منهجاً لإبداعاتهم مجسدين التصوير اللوني لأماكن وأوابد تاريخية تستعيدها الذاكرة بعد حين، وهم رواد المرحلة الأولى من أواخر القرن التاسع عشر، بدراسة الانطباعات والكلاسيك وجيل آخر عاصرهم وخاض تجربة معهم وفق رؤيته وتطلعاته الفنية، ليكون أحد الفنانين المساهمين في تدوين لوحات تصويرية ذات التأثير المحلي والوافد في عالم الفنون الجميلة السورية».
يعمل الفنان "العباس" على إظهار مكامن المواهب الإبداعية برؤية تحليلية تجريدية وتوثيق أعمال فنانين اتخذوا من التأثيرات المحلية منهجاً لإبداعاتهم مجسدين التصوير اللوني لأماكن وأوابد تاريخية تستعيدها الذاكرة بعد حين، وهم رواد المرحلة الأولى من أواخر القرن التاسع عشر، بدراسة الانطباعات والكلاسيك وجيل آخر عاصرهم وخاض تجربة معهم وفق رؤيته وتطلعاته الفنية، ليكون أحد الفنانين المساهمين في تدوين لوحات تصويرية ذات التأثير المحلي والوافد في عالم الفنون الجميلة السورية
وحول التصوير بين مؤثرات المحلي والوافد موقع eSwueda التقى الفنان والناقد التشكيلي "جمال العباس" بالحوار التالي:
** بدأت الفنون الجميلة أو التشكيلية تأخذ طريقها إلى بلادنا والمنطقة العربية كفنون حديثة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بأجناسها الثلاثة: التصوير، النحت والحفر إلا أن التصوير كان الأكثر انتشاراً، ونعني به التصوير الزيتي والمائي أو المنفذ بخامات الباستل الزيتي أو الباستل الطبشوري "الحواري" والغواش والأكريليك، وكان ذلك على يد مجموعة من الفنانين بدافع من ميولهم الفنية وقدراتهم الإبداعية، فحملوا الريادة والتأسيس وتعميق تجربتهم بالدراسة والبحث خارج سورية، وبالجهد الذاتي ليعود بعضهم فيما بعد، ويمارس هوايته متأثراً بالأساليب الغربية "الكلاسيكية، والانطباعية، والسريالية، والتجريدية"، وحتى في المواضيع الوطنية والقومية نذكر منهم "توفيق طارق" من دمشق 1875-1940 الذي درس الهندسة في "فرنسا" وعاد ليمارس فن التصوير ويجمع حوله عدداً من التلاميذ الذين تأثروا بتجربته والتي أنجز فيها لوحته الشهيرة "معركة حطين" وغيرها من الأعمال بواقعية أكاديمية وملامح انطباعية.
** يمكن القول إن الرائد الأول في التصوير الزيتي السوري "توفيق طارق"، ويأتي بعده مباشرة "عبد الوهاب أبو السعود" من "نابلس" 1897- 1951 درس الفن في "فرنسا" وعاد رساماً صحفياً ومدرساً لمادة التربية الفنية وله العديد من الأعمال منها فتح الأندلس وقصر الحمراء، ومن الفنانين الرواد: "صلاح الناشف ومحمود جلال والفريد بخاش، وسعيد تحسين، وصبحي شعيب" ومعظم هؤلاء الرواد تعاطفوا مع أعمال كبار فناني المدارس الأوروبية ولم تلق المطارح والبؤر الفنية والجماليات التي تنتشر في ربوع بلادنا والمتواجدة في أعماق التاريخ سواء بالتأصيل أو الاستضافة الاهتمام والدراسة والتبني في بداية الأمر، وذلك لأسباب عديدة أهمها: الانشغال بالتعرف على الفن الوافد من الغرب ومحاولة استلهامه ومحاكاته، وتبني أساليبه المتعددة والتي لم تكن صريحة بل متداخلة مع بعضها مثل الكلاسيكية، التي لم تكن خالصة من الاندفاعات الرامية صوب الرعشات الانطباعية على سبيل المثال، وان الفنانين الذين اعتنقوا مثل هذه المدارس كانوا منتمين أصلاً إلى الفن الأوروبي انتماءً مطلقاً أقرب إلى التقليد الاستسلامي الذي لم يكن مقتصراً على المجال التقني فحسب بل تعداه إلى اختيار المواضيع أيضاً ولكن بنفس فيه بعض الإشارات التي تتوالد من سياق الاختبارات التقنية على أساس أن التعامل اليومي مع تداعيات التلوين التلقائي، لابد أن يزيد من درجة الإحساس، وبالتالي لابد أن يكشف عن حرارة ذاتية خاصة، ولو بدرجة محدودة في نسيج السطح التصويري من خلال اللون والخط وتكوين التشكيل العام، وهذا يعني أن الأجيال الفنية المتعاقبة في سورية كانت ولاتزال تتفاعل مع الاتجاهات الفنية الأوروبية التي سبق ذكرها رغم أن أساليبها قد استنفدت وتجاوزها الزمن بعد ظهور التيارات الجديدة المنفذة بتقنيات العلم والاختراع في الكمبيوتر والليزر، حتى إن المدرسة الانطباعية التي تعامل بها بعض الفنانين السوريين والذين درسوا في الغرب وحاولوا أن تكون انطباعاتهم بخلاف الانطباعية الأوروبية أو الفرنسية، لم تكن أعمالهم في الواقع إلا صدى لهذه المدرسة ولذلك يمكن القول إن التصوير السوري لم يكن في كل مراحله وأجياله المتعاقبة إلا صدى لمعطيات الفن الأوروبي الحديث.
** إن الجيل الذي أعقب جيل الرواد ودرس الفن في "إيطاليا ومصر وعاد إلى سورية" ليعمل بعضهم في التدريس بكلية الفنون الجميلة بعد تأسيسها أيام الوحدة عام 1960 وحمل في أعماله توجهات مختلفة رغم أنها استقت صياغتها الفنية من التقنية الأوروبية كاملة لكنها ارتبطت بمواضيع واتجاهات وأساليب خاصة تميزت بتجارب فنية ذات ملامح ومقومات أكثر حداثة مثل الفنان "نصير شورى" دمشق 1920- 1988 والفنان "محمود حماد" "دمشق" 1923 – 1988 والفنان "فاتح المدرس حلب" 1922-1999 والفنان "لؤي كيالي حلب"1934-1991 والفنان "ميلاد الشايب" 1934 – 1991 وغيرهم ومن بين هذه الأسماء العديدة وأسماء من خارج سرب الدارسين برزت محاولات جادة لإيجاد صيغ تحمل بصمات خاصة مستقاة من أصول محلية ارتبطت بحياة الناس وطرز معيشتهم وتفكيرهم وعمارتهم ولغتهم في الحروف والكلمات والحكايات والأساطير والصور الشعبية وغير ذلك، تعكس بوضوح المحبة الخالصة التي يشعرون بها تجاه بيئتهم وأرضيهم، ورغبة أكيدة في تأكيد الذات والعمل على رسم ملامح محلية تميز تصويرنا وصله رغم المفاهيم الأوروبية للتصوير وطروحاته ومروراً بشكل اللوحة وحاملها وألوانها وأدواتها وطريقة عرضها وقراءتها نذكر منهم الأخوين "أدهم ونعيم إسماعيل" تتلخص تجربة كل منهما في تحويل الأشكال والعناصر من إنسانية وغيرها إلى أشكال زخرفية موشاة بإيقاعات خاصة ومتحركة مثل لوحة "المهاجرون" "لنعيم" المستوحاة من هجرة أهل لواء "اسكندرون" ولوحة "نهر العاصي"، لكن هذه التجربة جفت عروقها ومال "نعيم" إلى الحكاية الكلامية وتوفي "أدهم" مبكراً، وأيضاً "وليد عزت" دمشق 1934-1971، و"تركي محمود بك" 1939، و"ناجي عبيد"، و"أبو صبحي التيناوي" 1888-1972، و"ناظم الجعفري" 1918، و"محمود حماد"، و"محمود جلال طرابلس الغرب" 1911-1975، و"الياس زيات" 1935.
** إن المحاولات التي اعتمدت المؤثرات المحلية ونجحت بها وشكل نجاحها دعماً قوياً لمسألة الانتماء ويمثله من خصوصية المكان، استمرت لسنوات عديدة تمكن فيها البعض من بلورة اتجاه فني جديد سرعان ما التف حوله وسار على دربه عدد من الفنانين الشباب في محاولة البحث عن مسوغات تأخذ بالحسبان الحراك العام وإسقاطاته المتعددة، لكن هذه المحاولة سرعان ما عادت إلى مرجعياتها الأوروبية وذلك لأسباب عديدة أهمها: إن هذه المحاولات كانت بجهود فردية لم تتحول إلى أبحاث ودراسات جماعية أو تحرك نهضوي عام يشمل كل مرافق الحياة كالذي حدث في النهضة الأوروبية، بل هي ومضات خاصة تفتقر إلى السند التاريخي والجغرافي، لذلك فنحن نميل إلى الحديث عن ظواهر الإبداع بداية القرن الحادي عشر والفنان المهم هو من استطاع أن يتمرد على التيار المضطرب للفن الغربي ويربط مناحي أسلوبه بجذور الإبداع الفني بوطنه والعودة إلى الموروث الحضاري الموزع في مواقعنا التاريخية والأثرية وفنوننا في "حوض الفرات وماري وتدمر وبصري وشهبا وحماه" وآثار الفنانين السوريين الكبار في ممالك المدن السومرية وفي العواصم الآكادية والآشورية والآرامية وكذلك معطيات الفن الإسلامي كما يرى الدكتور "عبد العزيز علون" إضافة إلى قيم تعكس جماليات تزخر بها بلادنا يفترض أنها تشكل حوافز للفنان تدفع به نحو توليدات غير مسبوقة كالشعر والزخرفة والأبجديات والصحارى والأنهار والمناخ المعتدل والشمس المشرقة والتربة الخيرة وعراقة المدن ناهيك عن جماليات موحية في اللغة وأحرفها والأزياء.
** لكن هذا الرصيد الجمالي الضخم من الموجودات والمؤثرات يبقى بعيداً عن التأثير والتشويق والتفعيل مادام الفنان محاطاً بالشك الموروث، واهتزاز الثقة بالتاريخ وسطحية الاهتمام بالموقع الجغرافي وقيمته وتالياً ضعف الشعور بالانتماء أوهشاشته على حد تعبير "د. أحمد عكاشة" رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي، وخلال مزاولة الحرية التي يربطها "أحمد حسن الزيات والعقاد" بالجمال حيث إن روعة الجمال الطبيعي إنما تأتي من ناحية وجود الحرية في الطبيعة وغياب روحية البحث الجاد والتفرغ له من خلال مراكز أبحاث فنية معتمدة ومسلم بنتائجها، ورغم ذلك فإن محاولات الخروج من دائرة المؤثر الأوروبي والسعي إلى اكتشاف الذات واستلهام ما تيسر من مخزوننا الجمالي وصولاً إلى انعطاف واضح في التصوير لم تتوقف، وعرفت العواصم العالمية العديد من الفنانين السوريين حيث لاقت أعمالهم الاحترام والتقدير دون أن تشكل بديلاً منافساً للموجود الأوروبي المتحصن وراء تراكمات هائلة من البحث والتجريب والاكتشاف والاحتواء، ودون أن تضيف جديداً، إلا جودة العمل وجمالياته.
